أضواء على أزمة الخليج وحيادية الصومال

تمهيد

في الخامس من شهر يونيو الجاري باغت تحالف الدول الأربع بقيادة السعودية العالم فرض حصار دبلوماسي واقتصادي على دولة قطر بعد إتهامهم عليها بتطبيع علاقات سياسية مع إيران العدو المهادن للملكة العربية السعودية وتمويل جماعات إرهابية منها جماعة الإخوان المسلمين وحزب الله اللبناني وغيرهم، إلا أن قطر ردت الهجمة عليها بالتزام ضبط النفس، والدعوة إلى التعقل، ورفض الإتهامات الكيدية الموجهة ضدها وسط استنفار دبلوماسي قامته لإيجاد مخرج للأزمة.

بعد إعلان الحصار المفروض على دولة قطر قامت المملكة العربية السعودية جهودا سياسية لإقناع موقف الحصار على دول المنطقة، إلا أنّ تركيا قصمت ظهر التحالف إذ صادق أوردغان على إقامة قاعدة عسكرية لتركيا في قطر تنفيذا لإتفاقية عسكرية دارت بين الدولتين سابقا، الأمر الذي قلب موازين اللعبة السياسية وحمل على كثير من الدول أن يقفوا موقف المحايد من أزمة دول الخليج.

موقف الحكومة الصومالية حيال أزمة الخليج

بعد يومين من إعلان الحصارعلى دولة قطر اتخذت الحكومة الصومالية موقفا شريفا يعتبر أنه موقف معظم دول العالم في جميع القارات، حيث ذكرت في بيان صادر من مكتب وزارة الخارجية الصومالية أنها تشعر بقلق بالغ إزاء الخلاف الدبلوماسي بين البلدان العربية الشقيقة، مؤكدة في الوقت ذاته أنها تدعو إلى تسوية الخلاف الراهن بطرق دبلوماسية من خلال الحوار داخل مؤسسات الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

فور إعلان الحكومة الصومالية موقفها الحيادي وصل إلى العاصمة الصومالية مقديشو وفود متصارعة من دول الخليج تمارس إحداها ضغوطا سياسية على الصومال لإقناعها بدعم موقف التحالف الرباعي الذي يفرض على قطر الحصار الدبلوماسي والافتصادي، وأخرى تشجع الحكومة الصومالية على البقاء في موقفها وعدم الرضوخ لضغوط التحالف الرباعي بقيادة السعودية التي تسعى للحصول على دعم الحكومة الصومالية مقابل إمضاء وعود مالية تم الاتفاق عليها خلال لقاء رئيس الجمهورية الصومالية محمد عبدالله فرماجو في السعودية مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز.

وفي خضم هذه الأمواج السياسية المتلاطمة حيال تعاطي الحكومة الصومالية مع أزمة دول الخليج المشتعلة كان الشعب الصومالي هو الآخر يسبح في أجواء من النظريات والرؤى المتعاكسة، معبرا وجهة نظره حيال موقف الحكومة ضد حصار دولة قطر الدبلوماسي والاقتصادي.

ويمكن تلخيص هؤلاء الردود والأفكار الشعبية بتيارين : تيار مؤيد لموقف الحكومة الصومالية الحيادي ويصفه بموقفه نبيل، وتيار معارض يرى أن الحكومة الصومالية جانبت الصواب في موقها ضد التحالف الرباعي.

تيار مؤيد:

نظمت فعاليات من منظمات التجمع المدني في العاصمة الصومالية مقديشو مسيرات تأييدا لموقف الحكومة الصومالية من الأزمة الخليجية، حيث رفعوا شعارات يشيدون فيها دعوات الحكومة الصومالية إلى الحوار والتفاهم لإنهاء الخلاف السياسي بين البلدان العربية الشقيقة بطرق دبلوماسية.

ويرى هذا التيار أن الحكومة الصومالية اتخذت موقفا محايدا يبعد نفسها عن تجاذبات سياسية ويؤكد وقوفها للجميع على مسافة واحدة لأنها لم تصطف مع أحد على حساب آخر، كما يعتقد هذا التيار أن كل من لايحترم رؤيتها عن الخلاف السياسي المحتدم بين الدول العربية الأشقاء هو نفسه يعتدي على استقلال الصومال وسيادتها وحقها على اتخاذ القرارات برؤية صومالية بعيدة عن إملاءات دول أخرى تنظر الأمور بمعاييرها الخاصة ومصالحها الشخصية.

ويضيف هذا التيار بأن هذه مجرد موجة ربما تتنهي في الأيام المقبلة بمباحثات تدور بين الجانبين بعد انتهاء عاصفة الغضب وعودة الرشد والعقل إليهم.

لذلك يتساءل التيار ويقول أين يذهب المتخندق مع أفكار التحالف الرباعي القائم على المقاطعة والتصعيد ضد دولة قطر بعد تلاشي الأزمة بالجهود الحثيثة والوسطات التي تجريها قادة الدول الإسلامية برئاسة أمير الكويت؟ ألا يكون طائشا سخيف العقل يتبع كل صيحة يسمعها بدون تمعن وتبصر إلى ما وراءها؟ ألأ يكون مهانا ومنبوذا لايمكن الوثوق به بعد إخماد فتيل الأزمة؟

تيار معارض:

يقود هذ التيار المعارض فئة سياسية لاتعطي بالا للقيم والشرف، لكنها تنظر في الأشياء بمعيار مصلحي يضع الأمور بين كفتين ثم يتبع الكفة الراجحة لمصلحته الحالية دون البعيدة.

هؤلاء يولون اهتماما خاصا بأمور عدة منها:  العلاقات التجارية بين الصومال والإمارات العربية المتحدة، وتصدير المواشي الصومالية إلى المملكة العربية السعودية، ونشاط كل من السفارة السعودية في الصومال والإمارتية أيضا بالمقارنة مع سفارة قطر.

و يؤكد هؤلاء بأنه من الضروري مراعاة العلاقات التجارية الكبيرة بين الصومال والإمارات العربية المتحدة من التضرر نتيجة حيادية الصومال من الأزمة الخليجية، إذ يعتبر دبى أكبر سوق يستورد منه الصوماليون السلع والمواد الغذائية ومعظم الأجهزة الإليكترونية والوقود.

ويرى هذا التيار بأن فقدان سوق دبى الكبير يؤثر النشاط  التجاري في الأسواق الصومالية سلبا،ويؤدي إلى الصومال  أضرارا اقتصادية إذ يصعب على الصومال إيجاد سوق يسد فراغ سوق دبى الكبير.

أما عن العلاقات السعودية الصومالية فيرى هذا التيار بأن الرياض تأوي عددا كبيرا من الطلاب الصوماليين الدارسين في الجامعات السعودية بمنح دراسية كما هي  أكبرسوق لتصدير المواشي الصومالية والتي تعتبر أهم الموارد المالية في الصومال.

ويقوم هذا التيار أيضا مقارنة بين سفارات الدول الخليجية الثلاثة فيقول: إن المملكة العربية السعودية لها وجود سياسي في الصومال إذ فتحت في العاصمة مقديشو سفارة سعودية تقوم في البلاد بأنشطة سياسيةوإغاثية لأيمكن الاستهانة بها، وكذا الإمارات العربية المتحدة التي قامت ببناء سفارة كبيرة لها في مقديشو وإقامة قاعدة عسكرية كبيرة لتدريب القوات الصومالية الخاصة وتزويدهم بمعدات حربية نوعية وبناء مستشفيات تقدم للمرضى الصوماليين خدمات صحية بدون مقابل، وأنشطة إغاثية لمساعدة المتضررين بالجفاف الذي ضرب على معظم المحافظات الصومالية.

أما عن قطر فيؤكد مهد صلاد النائب في البرلمان الصومالي والشهير بمعارضته موقف الحكومة الصومالية من الأزمة الخليجية بأن قطر ليس لها في الصومال تمثيل تام إذ يوجود في سفارتها بمقديشو القائم بأعمال السفارة وهذا يدل على أن مستوى العلاقات الدبلوماسية بيننا منخفض بالنسبة إلى علاقاتنا الوثيقة مع كل من دولتي الإمارات العربية والمملكة العربية السعودية.

لهذا العوامل وغيرها يرجح التيار المعارض أن تغير الحكومة الصومالية موقفها من الأزمة الخليجية متخندقة مع وجهات التحالف الرباعي الذي يقطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة قطر ويفرض عليها حصارا اقتصاديا يشمل الجو والبحر والبر، نظرا لمصالحنا السياسية والتجارية مع الإمارات والسعودية.

ختاما:

أدعو الحكومة الصومالية وقادتها العليا إلى عدم الرضوخ للضغوط الممارسة ضدها والثبوت على موقفها الحيادي الداعم للوساطة الكويتية والذي يعتبر موقف معظم الدول الإسلامية وغير الإسلامية.

علما بأن أي تغيير يطرأ على موقفها الحيادي تجاه حصار دولة قطر يجعلها أمام الدول الأخرى ذليلة تحركها الهزات السياسية وهبوب الرياح من هنا وهناك، كما يجعلها حكومة تأخذ الرشاوى المالية وتبيع القيم الوطنية والاستقلالية مقابل حزمة من المال تجدها من التحالف الرباعي بقيادة السعودية.

أضف إلى ذلك بأنها ليست طرفا عن النزاع السياسي الدائر بين البلدان العربية المنضوية في مجلس التعاون الخليجي وفي تحالف عاصفة الحزم ضد الحوثين، ووقوفها إلى جانب فئة من الفئات المتبادلة بالاتهامات على حساب آخرى بدون مبرر ظلم وخيانة عظمى وتهور خاطئ لايحمد عقباه عاجلا أوآجلا.

محمد محمود: كاتب صومالي خرّيج الجامعة الإسلامية

تواصل معنا عبر هذا الإيميل:

Somaliatoday2006@hotmail.com