بقلم/ د. عبد الرحمن باديو

نهضنا سريعًا، وقلوبُنا ممتلئةٌ بالغضب والحزن. تحرّكنا بدافع العاطفة والوطنيّة والإيمان ضد قرار إسرائيل الاعتراف بأرض الصومال. بدا هذا الفعل كطعنةٍ في قلب سيادة جمهورية الصومال ووحدتها الترابية. ضجّت الشوارع ومنابر المساجد ووسائط التواصل الاجتماعي بصيحات الكرامة الجريحة، ونداءات التضامن الإسلامي، ووعود الدفاع عن سيادة الدولة الصومالية ووحدتها، وكأنّ روح الأمة نفسها قد انتهكت. لكن خلف هذا المدّ من الغضب الصادق يكمن صمتٌ أثقل من الشعارات التي نرفعها. ففي ذروة غضبنا، نادرًا ما نتوقف لمواجهة الحقيقة المؤلمة: إسرائيل لم تستيقظ فجأة وتخترع ضعف الصومال، ولا القوى الأجنبية عثرت صدفةً على شرخ لم يكن موجودًا من قبل. هذا اللحظة لم تهبط علينا من السماء؛ بل زحفت نحونا بصمت على مدى سنوات، عبر إهمالٍ مستمر، وأبوابٍ تركناها مفتوحة، ودولةٍ سمحنا لها بأن تذبل وتضعف بينما استنزفَت نخبُنا السياسية الوطنَ في خصوماتٍ تافهة وصفقاتٍ رخيصة للاستحواذ على السلطة، متاجرين بمستقبل البلاد من أجل مكاسب زائلة.

صرخاتنا اليوم عالية، لكنها تتردّد في بيتٍ تصدّعت أساساته منذ زمن. نأسف على إهانة سيادتنا، لكننا نحيد أبصارنا عن الطريق الطويل الذي قادنا إلى هنا—طريقٌ مُعبّد بالفرص الضائعة، والثقة المكسورة، وقياداتٍ فشلت في حماية مستقبل الوطن. الألم الذي نشعر به حقيقي، لكنه أيضًا تذكيرٌ بأن الجرح لم يبدأ من الاعتراف؛ بل بدأ عندما توقفنا عن طرح الأسئلة الصعبة عن أنفسنا. كيف أصبح وطننا مكشوفًا إلى هذا الحد—ضعيفًا لدرجة أن القوى الأجنبية باتت تجرؤ على إعادة رسم خريطتنا وكأنّ الصومال قماشة مهجورة؟ كيف وصلنا إلى مرحلة يتجرأ فيها الآخرون على تقرير مصيرنا وهم واثقون أن يدًا موحّدة لن ترتفع لوقفهم؟ من الذي مهد الطريق لمثل هذا التدخل؟ لم يُبنَ ذلك في يومٍ واحد؛ بل نُحت ببطءٍ وألم عبر عقودٍ من الانقسامات السياسية التي تغلّبت فيها الطموحات الشخصية على الواجب الوطني، وعبر نخبٍ أشعلتها المنافسات حتى تحوّل الإخوة إلى خصوم، وعبر مؤسساتٍ أُضعِفت وقُوّضت وفُرّغت من شرعيتها حتى باتت عاجزة عن الكلام بسلطة داخل البلاد أو خارجها.

وماذا قالت هذه التشققات الداخلية للعالم؟ قالت إن الصومال يمكن تجاوزه لأنه منقسم في داخله، ويمكن تقويضه لأن حُماته مشغولون بالتنافس على فتات السلطة، ويمكن الالتفاف عليه لأن قادته يفتقرون إلى رؤية مشتركة، وبوصلة موحدة، وإحساس بالمصير الجماعي. هذه هي الحقيقة المرّة التي نتجنبها، وقد آن الأوان لرفع الصوت والاعتراف بها.علينا أن نفهم أن هشاشتنا لم تنحدر من السماء؛ بل نبتت من داخلنا، غذّتها خلافاتنا. العالم لم يفعل سوى أن استغلّ الضعف الذي عرضناه أمامه. اعتراف إسرائيل بأرض الصومال—وما وراءه من مناورة جيوسياسية—ليس مجرد استفزاز خارجي أو عمل عدائي من قوة بعيدة؛ إنه مرآة قاسية تعكس الحقيقة التي نفضّل تجاهلها: فشلنا الجماعي في بناء دولة قوية، وفي الدفاع عن سيادتنا، وفي التعبير عن صوت وطني واحد ذي مصداقية. نسارع إلى إدانة الإهانة، وإلقاء اللوم على اليد الأجنبية، وفضح المؤامرة، لكننا بذلك نواجه الدخان ونتجاهل النار المشتعلة تحت الرماد. نصرخ في وجه العالم لأنه تجاوز خطوطنا الحمراء، ونشدّ الرحال إلى العواصم، بينما نحن من سمح لهذه الخطوط أن تبهت عبر سنواتٍ من الشلل—حكمٍ فاشل، وصراعاتٍ نخبوية لا تنتهي، واستراتيجية وطنية تتنقل من أزمة إلى أخرى دون هدف أو اتجاه.

ليست المأساة أن الخارج تدخّل؛ بل إنه عرف أنه يستطيع التدخل. انقساماتنا كانت إذنًا مفتوحًا، وعدم استقرارنا كان فرصة، وصمتنا—المقنّع بانفعالات الغضب—فضح فراغًا كان يجب أن تقف فيه الوحدة والقيادة. هذا الاعتراف ليس مجرد إهانة دبلوماسية؛ إنه حكمٌ قاسٍ. إنه يخبرنا بأننا إذا لم نواجه العلل العميقة التي تمزق نسيج دولتنا، فإن الاستفزازات لن تتوقف، بل ستزداد. إذا اكتفينا بلوم الآخرين وتجاهلنا المشكلات الداخلية التي فتحت لهم الباب، فإن هذه الأزمة لن تكون الأسوأ. الغضب لا يشفي وطنًا جريحًا. لوم الآخرين لا يعيد بناء مؤسسات منهارة. والتهرب من مواجهة أخطائنا لا يعني سوى أن الصومال سيواجه إذلالًا أكبر في المستقبل.

لقد حان الوقت—بل تأخر كثيرًا—لنغيّر السؤال. ليس فقط من تدخل في الصومال، بل أيضًا: من سمح له؟ من أضعف الدولة حتى لم تعد قادرة على حماية حدودها؟ من مزّق سياستنا حتى رأى الخارج فرصةً في انقسامنا؟ من باع مستقبل الوطن مقابل مكاسب سلطة آنية، أو منافع عشائرية، أو دعمٍ خارجي؟ هذه أسئلة موجعة، لكنها الطريق الوحيد نحو التعافي. فطالما أننا لا نواجه الحقيقة داخلنا، ستتكاثر علينا التهديدات من الخارج. لا يمكن لأمة أن تحمي نفسها إن رفضت إصلاح الشقوق في أساسها.لقد فتح اعتراف إسرائيل بأرض الصومال بابًا خطيرًا—بابًا قد تشعر دول أخرى، مدفوعة بحسابات جيوسياسية أو تنافسات إقليمية، بالجرأة نفسها على الدخول منه. هذه اللحظة ليست مجرد خطوة دبلوماسية معزولة، بل سابقة قد تعيد رسم المشهد السياسي في القرن الأفريقي، خصوصًا إن استمرت انقساماتنا الداخلية في التعمّق.

ولمنع تفاقم الوضع، يجب أن تقود استجابتَنا أولويتان وطنيتان استراتيجيتان، إلى جانب تحرك دبلوماسي واسع لحشد الدعم لوحدتنا. أولًا: إعادة بناء الوحدة الداخلية عبر ترميم الثقة بين المؤسسات والمجتمعات والفاعلين السياسيين، وحلّ النزاعات بين النخب حول الدستور والانتخابات المقبلة—وهي نزاعات غذّت عدم الاستقرار وأضعفت مصداقية الدولة مرة بعد أخرى. هذه التوترات ليست خلافات سياسية عابرة؛ بل هي أعمق الشقوق في أساسنا الوطني، وهي الثغرات التي يتسلل منها الخارج للتأثير والتلاعب والاستفادة على حسابنا. ما دمنا منقسمين، نتجادل على السلطة بينما مستقبل الأمة معلّق، سيبقى الصومال ضعيفًا ومعرّضًا على المسرح الإقليمي. ولا يمكننا استعادة تماسكنا الاستراتيجي إلا عبر شفاء هذه الجراح الداخلية وتقديم المسؤولية الوطنية على الأنانية الفئوية.

ثانيًا: يجب أن نتجنب شيطنة أو تجريم شعب أرض الصومال—وخاصة قبيلة الإسحاق التي تشكل القاعدة الاجتماعية الرئيسية لمشروع الانفصال. لا بد كذلك من التمييز الواضح بين الشعب وقياداته السياسية التي تقود المشروع الانفصالي وتوجّهه. أغلب أبناء هذه القبيلة لا يتحركون بدافع الولاء لإسرائيل، بل بدافع توقٍ قديم للاعتراف الدولي؛ وكانت إسرائيل فقط الدولة الأولى التي طرقت بابهم. إن أي نهج قائم على العداء أو اللوم الجماعي لن يؤدي إلا إلى توسيع الهوة، وتعميق الاغتراب، ودفع أهلنا هناك بعيدًا عن إخوانهم في باقي الصومال. الحل يكمن في صياغة رؤية وطنية أكثر جاذبية وشمولًا وإقناعًا—رؤية تُعالج المظالم، وتعيد بناء الثقة، وتُقدّم الوحدة خيارًا عقلانيًا مرغوبًا لأهل أرض الصومال.

وأخيرًا، كلمة إلى النخبة السياسية في أرض الصومال: تُخبرنا دروس التاريخ أن أقصر الطرق—وفي الحقيقة الطريق الوحيد—لحل النزاع الصومالي ومعالجة مظالمكم المشروعة هو الانخراط في حوار بنّاء مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، لا البحث في الخارج عن اعترافٍ يتعارض مع جميع الأعراف والقوانين الدولية. قد تبدو الخيارات الأخرى جذّابة في لحظة الفوضى العالمية الحالية، لكنها لن تجلب سوى المزيد من الانقسام، وازدياد فقدان الثقة، وتحويل قضيتكم العادلة إلى ورقة يستخدمها من لا يفهمون ولا يهتمون بمستقبل شعبكم. لا يمكن لمستقبل أرض الصومال أن يُبنى في عزلة عن بقية الصوماليين، فنحن جميعًا مرتبطون بروابط أعمق من أي خط سياسي—تاريخ مشترك، دم واحد، إيمان واحد، ومعاناة واحدة. لا حكمة اليوم أعظم من فهم العواقب قبل وقوعها، وضبط النفس قبل الانفجار، واختيار الحوار بدل القطيعة، والمصالحة بدل الانفصال.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.