لا يُفتَح تاريخ الصومال ككتاب قديم يعلوه الغبار، بل ينفجر كعاصفة تلوح في الأفق، حيًّا بهتافات المقاومة ونبض شعبٍ أبى أن يُكسَر.
بين عامي 1948 و1950، وفي عواصم بعيدة تحت أضواء الثريّات الخافتة، تقاسمت القوى الأجنبية مصير الصومال كما يتقاسم التجار الغنائم، يتجادلون في ما إذا كان ينبغي إعادته إلى قبضة إيطاليا، وهمساتهم تتقطّر خيانةً كأنّ البلاد ليست سوى قطعة من إمبراطورية بالية أُلقيت جانبًا. لكن بعيدًا عن تلك القاعات المخملية، كانت شوارع مقديشو ترتجف تحت وقع أقدام الآلاف، وترتفع الرايات، وتدوي الأصوات كأمواجٍ هائجة، وفي قاعة الأمم المتحدة اخترق تصويتٌ يتيم متحدٍّ جدار الصمت، محطّمًا مخططات الأقوياء.
في ذاك التصادم بين المؤامرات الهامسة والجماهير الهادرة، كشفت اللحظة عن حقيقتها الأعمق: إن حرية الصومال لم تكن منحة تُعطى، بل ميراثًا صيغ بالتحدي، وصُقِل بالتضحية، وانتُزع بيد شعبٍ رفض أن يُسلَب مصيره.
لقد بدأت الملحمة كلها عند 10 فبراير 1947، وتحت ثريّات باريس المتلألئة، وضعت إيطاليا آخر ما تبقّى من إمبراطوريتها، متخلّية عن مطالبها في ليبيا وإريتريا والصومال، ومعترفة باستقلال إثيوبيا. لكن بالنسبة للصومال، كان الصمت مدوّيًا—مصيره مُعلّق، أمةٌ تُركت معلّقة بين الأمل والخيانة.
وبحلول عام 1948، أرسلت القوى الأربع—بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي—لجنة تقصّي حقائق إلى مقديشو، حيث اجتمعت وفود من الأحزاب السياسية، وشيوخ العشائر، وزعماء المجتمع المدني لتناقش مستقبل البلاد. اختلفت الأحزاب السياسية الصومالية حول الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الأمة. لكن ما وراء غرف الاستماع المهيبة، كان التوتر يتكثّف كسُحبٍ داكنة تنذر بالعاصفة.
فقد أصرّ حزب الشباب الصومالي (SYL) على رفض أي عودة للحكم الإيطالي، فنفخ في جمر الغضب حتى اشتعل. وفي 11 يناير انفجرت المدينة،ما بدأ بهتافات ورايات انقلب إلى سيلٍ من الحجارة والدم، تحوّلت الشوارع إلى ساحات قتال، وفي يومٍ واحد من الغضب سقط 52 إيطاليًا و14 صوماليًا، وجُرح المئات. اهتزّت مقديشو—لا بالعنف وحده، بل بإعلان صارخ لا يتزعزع: إن مصير الصومال لن يُملى من الخارج.
في 24 سبتمبر 1948، وبعد شهورٍ من الجدل المرير والنقاشات التي لا تنتهي، اجتمعت القوى الأربع مرةً أخرى في باريس لمواجهة المسألة الشائكة لإمبراطورية إيطاليا المنهارة، كان تقرير اللجنة ماثلًا أمامهم، مثقلاً بالتباينات، فيما يخيّم على الأجواء شعور بالإنهاك والتنافس وثقلٌ غير معلن من المسؤولية.
تمسّك كل وفد برؤيته الخاصة لإفريقيا، وهو يعلم أن مصائر ليبيا وإريتريا والصومال معلّقة على المحك. واستمرت المفاوضات طوال الليل، تعلو الأصوات وتتآكل الأعصاب، حتى فرض الإرهاق وتعقيد المشكلة تنازلًا مترددًا. ففي بيانٍ مشترك، دفعت القوى الأربع بالعبء إلى الأعلى، محيلة الأمر إلى الأمين العام للأمم المتحدة.
وفي اليوم نفسه، وخلال الاجتماع العادي رقم 142 للجمعية العامة، أُحيلت المسألة إلى اللجنة الأولى—اللجنة السياسية والأمنية—حيث لم يعد مصير الملايين يُحسم بالسيوف أو المتاريس، بل بالخطب والأصوات.
أما بالنسبة للصومال، الذي كان شعبه يعيش حالة من الأمل الممزوج بالقلق، فقد كانت تلك لحظة فاصلة: إذ انتقلت معركة مستقبله من شوارع مقديشو المضطربة إلى أروقة الدبلوماسية الدولية، حيث سيسعى غرباء بعيدون عن أرضه لصياغة الغد باسمه.
وفي 4 مايو 1949، في أروقة لندن المظلمة المشبعة بدخان الدبلوماسية، أبرم إرنست بيفن وكارلو سفورزا صفقةً ستحدّد مصير المستعمرات الإيطالية السابقة. فقد وُلد “اتفاق بيفن–سفورزا” خلف الأبواب المغلقة، وسرعان ما أُرسل إلى اللجنة الأولى في الأمم المتحدة، وبحلول 11 مايو تم تمهيد الطريق لعرضه على الجمعية العامة.
كانت بنوده صارخة: فالصومال، الذي انتُزع من إيطاليا في فوضى الحرب العالمية الثانية، سيُعاد إليها تحت إدارة إيطالية، مغطّاة بلغة “وصاية أممية” ذات مدة غير محددة—أملٌ صامت في روما بأن عقودًا من السيطرة ما زالت ممكنة. بالنسبة لإيطاليا، كان الاتفاق وعدًا بالخلاص واستعادة كبرياء استعماري جريح؛ أما بالنسبة لبيفن، فقد كان إعلانًا بدفن مشروع بريطانيا لوحدة صومالية، مُعاد تسويقه كنجاح دبلوماسي.
غير أن مصافحة الوزيرين بارتياحٍ في قاعات لندن الملساء دوّت أصداؤها بعيدًا، فوصلت إلى مقديشو، حيث أدرك الشعب—المثقل بذاكرة الغزو—أن ما عُرض عليهم لم يكن نصرًا، بل خيانة.
في الأيام التي أعقبت محاولة اتفاق بيفن–سفورزا إعادة الصومال إلى الإدارة الإيطالية غير المقيّدة—مخطط مُغلّف بلباس الدبلوماسية لكنه بدا للصوماليين خيانة صريحة—تحوّلت قاعة الأمم المتحدة في ليك سكسِس إلى مسرحٍ لتحدٍّ دوّى صداه في أرجاء إفريقيا.
وقف عبد الله عيسى، الأمين العام لحزب الشباب الصومالي، يقاتل بضراوة ضد الخطة، فيما كان أنصارها واثقين من مرورها بسهولة، لكن في 17 مايو 1949 تغيّر مسار التاريخ: إذ صوّت سفير هايتي إميل سان-لو، الحليف المقرّب لعبد الله عيسى، بـ “ضد” وحيدًا وحاسمًا، متحديًا حكومته والقوى العظمى، ومرتكزًا على مبدأه وروح التضامن.
وفي اليوم التالي، قال أمام الجمعية العامة إن هايتي، المقيّدة بأواصر الأخوة مع الشعوب الإفريقية، لا يمكنها أن تؤيّد قرارًا قد يجلب الخراب إليها.
دوّى موقفه عبر الأطلسي، فانفجرت مقديشو فرحًا، غصّت الشوارع بالحشود، وحيّا حزب الشباب الصومالي سان-لو باعتباره “الرجل الذي دافع عن شرف الصومال”.
وفي تلك السنوات المتوترة المليئة بالاضطرابات والاتفاقيات والتصويتات المصيرية، سطع نور حقيقة واحدة: إن مصير الصومال لن يُخطَّه الغرباء البعيدون، بل سينتزعُه الشعب الصومالي بتحدّيه وإصراره وإرادته التي لا تلين.
وبحلول سبتمبر 1949، ومع افتتاح الدورة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، انتقل مصير الصومال من الصفقات الهامسة في العواصم البعيدة إلى أصوات أبنائه على المنصة العالمية.
جلس وفود من حزب الشباب الصومالي ومن “الكونفرنسا” المؤيد لإيطاليا أمام أنظار العالم؛ فكان الشباب الصومالي يرفضون بشدة أي عودة للحكم الإيطالي، بينما دعمته الكونفرنسا، وكل كلمة تنبض بخفقان قلب أمة قلقة متوثبة. ومع ذلك، وفي قاعات اللجنة السياسية في 4 أكتوبر، أوشكت الكلمة الأخيرة أن تُحسم: الصومال سيعود تحت الإدارة الإيطالية.
وفي اليوم التالي، 5 أكتوبر، سقط الحكم على مقديشو كالصاعقة. خرجت النساء يقرعن الأواني احتجاجًا، ورفع الرجال لافتات تصرخ: “لن نعود بالأغلال!”—وانفجرت المدينة. ارتطمت الحجارة بالبنادق، وتلطخت الأرض بالدماء، وبحلول الليل كان 7 صوماليين قد استشهدوا، وأصيب 13، وجرّ 300 إلى السجون بالأغلال.
اعتُقل قادة حزب الشباب الصومالي أو نُفوا، لكن شجاعتهم لم تُطفأ؛ فقد ظلت تنبض في كل قلبٍ يتوق إلى الحرية. ذلك اليوم خُلد باسم “دَهَغْتُور”أي رمي الحجارة،وشُيّد لاحقًا نصب تذكاري في موقعه، شاهدًا خالدًا لا على الفقد فحسب، بل على شعبٍ أبى مرةً أخرى أن ينحني أمام القوة الاستعمارية السابقة.
على الرغم من أن النصب التذكاري يقف شامخًا تخليدًا للحدث وتكريمًا للتضحيات، فإنه يبقى تذكارًا صامتًا لما نسيه التاريخ. فلا نعرف أسماء الذين ضحّوا بأرواحهم—هويتهم ضاعت مع مرور الزمن، ووجوههم غابت عن السجل. إنهم يُذكرون لا كأفراد، بل كروح جماعية من التحدي، شهداء مجهولون شكّلت شجاعتهم مسار أمتهم.
إن غياب أسمائهم يزيد المأساة عمقًا، فخلف كل شخصية مجهولة كان هناك ابن أو ابنة، أب أو أم، يستحق قصته أن تُروى. ومع ذلك، حتى وهم بلا أسماء، فإن تضحياتهم باقية، منقوشة لا في الحجر، بل في ذاكرة حيّة لشعب لا يزال يسير في دروب الحرية التي ساهم أولئك الأبطال المنسيون في صنعها.
وفي 21 نوفمبر 1949، كشفت الأمم المتحدة عن تسويتها القلقة: القرار رقم 289. يُعاد وضع الصومال تحت الإدارة الإيطالية مرة أخرى، لكن هذه المرة بغطاء من الشرعية الأممية، في شكل وصاية تمتد عشر سنوات تحت إشراف لجنة من مصر وكولومبيا والفلبين، بزعم تهيئة البلاد للاستقلال.
في نيويورك، مرّ القرار وسط تصفيقٍ مهذّب، واحتُفي به كإنجاز دبلوماسي حذر. لكن في مقديشو، سقط الحكم كشرارة على هشيمٍ جاف.
انفجرت الشوارع بهتافات الغضب والتحدي: “طلبنا الحرية اليوم، لا غدًا!” وبينما احتفلت الفصائل المؤيدة لإيطاليا بما عدّته انتصارًا لها، نهض حزب الشباب الصومالي لمواجهة الغضب بالوضوح والعزم، محشدًا الجماهير بكلماتٍ خالدة ستتردد عبر الأجيال: “إذا فُرضت علينا الوصاية، سنحوّلها إلى مدرسة للاستقلال. عشر سنوات لن تكسرنا—بل ستصنعنا.”
وسجّلت الصحف الصومالية المزاج المتحدّي بسطورٍ صارخة لا تُنسى: “مطلبنا كان الحرية اليوم. أعطانا العالم حرية الغد. ونحن سنجعل الغد يأتي.”
وفي ذلك التوازن المرهق بين تسوية مفروضة وطموح لا يلين، لم يتزعزع روح الأمة—بل ازداد توهّجًا، مصهرًا عزيمتها في قوةٍ لم ولن يطفئها أي تفويض أجنبي.
في 1 أبريل 1950، عاد العلم الإيطالي الثلاثي الألوان يرفرف فوق مقديشو من جديد.
وبرغم أن التقويم كان يشير إلى يوم كذبة أبريل، إلا أنه لم يكن يومًا ساخرًا بالنسبة للصوماليين، إذ عاد الإداريون الإيطاليون إلى مكاتبهم قبل أشهر من التوقيع الرسمي على الوصاية. عمّ الغضب الشوارع، وفي السوق المزدحمة ارتفع لافتة تسخر من اليوم: “كذبة أبريل: الصومال سُلّم لإيطاليا.” لكن تحت وطأة الغضب، كانت تنمو عزيمة هادئة وحازمة. أعلن حزب الشباب الصومالي: “هذا ليس النهاية.
هذه السنوات العشر ستكون ميدان اختبارنا.” واقترب الشيوخ من الشباب ناصحين: “لا تهدروا هذا العقد. ليكن تدريبنا من أجل الاستقلال.”
وفي المدن والقرى، عقد الصوماليون العزم على تحويل كل سياسة إيطالية، وكل مدرسة، وكل مجلس، إلى حجر يُبنى عليه نحو السيادة.
فما كان مقصودًا به إحياء السلطة الاستعمارية، تحوّل في يد الصوماليين إلى بوتقة لبناء الأمة، ومهد وُلد فيه قادة ورؤية صومال مستقل.
من قاعات القوى الأربع المليئة بالدخان عام 1948، حيث تعامل الدبلوماسيون البعيدون مع مصير الصومال كقطعة شطرنج، إلى شوارع مقديشو المشتعلة ضد خيانة بيفن–سفورزا؛ ومن دفاع عبد الله عيسى القوي، والتصويت الفردي المتحدي لإميل سان-لو في نيويورك، إلى التسوية المريرة للوصاية عام 1950، كان مسار الصومال نحو الاستقلال ملحمة من الخيانة والتحدي، من اليأس والأمل.
لم يعرض العالم سوى جدول زمني، عقدًا من الإشراف الأجنبي، لكن الشعب الصومالي ملأ تلك السنوات بالمعنى والإصرار.
خرجوا إلى الشوارع، وعقدوا المجالس السرية، ورفعوا أصواتهم في وحدة مرددين: “غبانمو أما غيري!”—الحرية أو الموت—حتى بدأت جدران السلطة الاستعمارية تتصدّع.
وبعد عشر سنوات، في عام 1960، نهض الصومال لأن الاستقلال مُنح من فوق، بل لأنه انتُزع وطُلب وصُنع بشجاعة لا تلين من كل مواطن، وكل عريضة، وكل نبضة قلب في أمة رفضت أن تُخرس.
وفي الخاتمة،في خضمّ العواصف السياسية اليوم—حيث يتنازع النخب على السلطة وتنزف الأمة من أجل طموحاتهم—يجب على الصوماليين أن يتركوا للماضي أن يُلقي بضيائه على الحاضر، فقد وقف أسلافهم يومًا في عاصفة أشدّ ظلامًا وشقّوا طريقًا إلى الأمام.
ففي تلك السنوات، حين كان مصير الصومال يُساوَم عليه في القاعات الأجنبية، لم تكن توقيعات الدبلوماسيين هي التي أبقت الأمل حيًّا، بل كان تحدّي الشعب الذي ملأ شوارع مقديشو، وشجاعة حزب الشباب الصومالي، وتضحيات الرجال والنساء العاديين الذين طالبوا بالاستقلال لا غدًا بل اليوم.
لقد حوّلوا الخيانة إلى عزيمة، والتأجيل إلى إصرار، والوصاية إلى سلّمٍ نحو الحرية. إن نضالهم يروي لنا حقيقة لا يجوز أن تُنسى: الأمم لا تُبنى على خصومات النخب، بل على وحدة الهدف والاستعداد للتضحية من أجل ما هو أعظم من الذات.
وهكذا، ومع انتقال ستار التاريخ من الماضي إلى الحاضر، سيعتمد بقاء الصومال ومستقبله مرة أخرى على قدرة شعبه—وقادته—على الارتقاء فوق الانقسامات، وانتزاع غدٍ يليق بشجاعة أسلافهم.
المصدر :د. عبد الرحمن باديّو


تعليقات الفيسبوك