بقلم: د. عبد الرحمن باديو

تقف الصومال اليوم أمام لحظة حاسمة—لحظة ستحدد إن كنّا سننهض كأمة موحدة أم سننزلق مرة أخرى إلى الظلام الذي عرفناه جيداً. فالانقسامات الداخلية تتسع، ومؤسسات الدولة تزداد هشاشة، وفي خضم هذا الاضطراب يأتي الاعتراف الإسرائيلي بما يسمى “أرض الصومال” ليكشف مدى ضعفنا ويهز أساس سيادتنا.

وهذه اللحظة، بالنسبة للكثير من الصوماليين، تحمل صدىً مؤلماً. لقد عشناها من قبل.

نذكر جيداً ما حدث عام 2006. في ذلك العام، اجتمعت الحكومة الشرعية واتحاد المحاكم الإسلامية في الخرطوم في لحظة نادرة كان يمكن أن تنقذ البلاد. كانت هناك فرصة حقيقية للسلام، وكان الأمل قاب قوسين أو أدنى. لكن المتشددين من الجانبين اختاروا المواجهة بدل الحوار، والغرور بدل التنازل، والشك بدل الثقة.

والنتيجة كانت كارثة وطنية:

التدخل العسكري الإثيوبي، صعود حركة الشباب، وسنوات من الدم والنزوح والدمار. كل أسرة صومالية دفعت الثمن. وكل منطقة تحملت تبعات تلك اللحظة. وما زالت البلاد تداوي جراحها حتى اليوم.

واليوم، وللأسف، نقف عند مفترق طرق مشابه — وربما أخطر.

أمة منقسمة حين يكون الوطن بحاجة ماسة للوحدة، بدلاً من توحيد الصفوف دفاعاً عن وحدة الدولة وسيادتها، نجد النخبة السياسية منغمسة في صراع محتدم حول السلطة والشرعية والمصالح. الحكومة الفيدرالية والمعارضة تتبادلان الاتهامات، والولايات الفيدرالية تتأرجح بين التعاون والتصادم.

وفي المقابل، يقف الشعب الصومالي خائفاً ومحبَطاً ومتعَباً. لقد سئم الصوماليون من الوعود الفارغة، ومن صراعات السياسيين، ومن رؤية مستقبل وطنهم يُستخدم كورقة ضغط في معارك شخصية.

يريد الناس وحدة. يريدون دولة مستقرة. يريدون قادة يضعون الوطن قبل العشيرة، والمصلحة العامة قبل الامتيازات.

لكن الخطر لا يكمن فقط في الصراعات العلنية. الأيادي الخفية التي تدفع الصومال نحو الفوضى. هناك قوى — داخل الحكومة وداخل المعارضة — تستفيد من الانقسام. بعضها مرتبط بأجندات خارجية و بعضها يخشى خسارة النفوذ والامتيازات، وبعضها يرى في الفوضى فرصة للصعود السياسي والمالي.

ولنكن صريحين: للصومال أعداء من داخلها و أعداء يخافون من السلام أكثر من الحرب و أعداء يرون أن الفوضى (chaos) هو طريقهم للسلطة.

ووفقاً للوقائع المتراكمة:

هناك خطة تخريبية تُنفَّذ بالفعل، وعاصفة جيوسياسية تهدد البلاد. في الوقت ذاته، يشهد القرن الإفريقي والبحر الأحمر تحولات خطيرة. دول كبرى وإقليمية تتنافس على النفوذ والموانئ والممرات البحرية. وفي هذا المشهد، تبدو الصومال الحلقة الأضعف. لهذا يأتي الاعتراف الإسرائيلي بـ“أرض الصومال” كمؤشر خطير.

إنه رسالة واضحة:

عندما تكون الصومال منقسمة، يصبح من السهل على الآخرين التدخل وتشكيل مستقبلها.

ثمن الفشل: وطن يتمزق

إذا فشل القادة الصوماليون في التوصل إلى اتفاق سياسي شامل الآن، فإن العواقب ستكون مدمرة. هذه ليست مبالغة — بل احتمال واقعي.

الفشل قد يؤدي إلى:

  • تعميق الأزمة بين الحكومة والولايات،
  • تشجيع النزعات الانفصالية،
  • فسح المجال لتدخلات أجنبية أكثر جرأة،
  • وفتح صندوق باندورا الذي قد يقود إلى تفكك الصومال.

لا أحد من الصوماليين يريد رؤية وطنه يُقسَّم. لكن إذا كررت الطبقة السياسية أخطاء 2006، فقد يصبح ذلك واقعاً مؤلماً.

ما الذي يجب فعله الآن؟

لا يزال هناك أمل، لكن النافذة ضيقة. يحتاج القادة الصوماليون إلى:

  1. إطلاق حوار وطني صادق وشامل: ليس شكلياً، بل حواراً يعالج جذور الانقسام.
  2. 2.       وضع المصلحة الوطنية فوق أي اعتبارات أخرى، سواء كانت عشائرية أو شخصية.
  3. 3.       توحيد الصف في مواجهة التدخلات الخارجية من خلال موقف وطني واحد وواضح.
  4. 4.       الاعتراف بأن بقاء الصومال يعتمد على التنازلات والمساومات، لا على المواجهة والصراع.

التاريخ يراقب… والشعب ينتظر

يريد الصوماليون قادة شجعان، ينهضون فوق الحسابات الضيقة، ويحمون مستقبل الوطن مهما كان الثمن.

والسؤال الذي يواجهنا اليوم:

هل سينقذ قادتنا الصومال… أم سيعيدون تكرار مأساة 2006؟

القرار في أيديهم — لكن أثره سيستمر لأجيال.

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.