التاريخ ليس مجرد سجلٍ للأحداث الماضية، بل هو خيط حيّ يربط بين الأمم والشعوب والأجيال، وغالبًا ما يتشكل بفضل شجاعة ورؤية شخصيات استثنائية تتجاوز أعمالها حدود الزمان والمكان. وقد تذكرتُ هذه الحقيقة بطريقة شخصية ومؤثرة عندما تلقيت رسالة غير متوقعة عبر البريد الإلكتروني من جان سانت-لو جيراس، نجل سفير هايتي لدى الأمم المتحدة إميل سانت-لو، ثم سنحت لي الفرصة لاحقًا للتحدث معه. كان جان قد قرأ كتابي الصومال: دولة تبحث عن قيادة استثنائية، الذي تتبعتُ فيه المسار السياسي المضطرب للصومال وأبرزتُ فيه الدور الحاسم للقيادة في صياغة مصيرها، مع إشارة عابرة إلى إسهام والده، الذي تداخلت جهوده الدبلوماسية في الأمم المتحدة مع نضالات الصومال في لحظة تاريخية مفصلية.

لقد كانت رسالة جان أكثر من مجرد ملاحظة تقدير؛ إذ أعادت التاريخ إلى الحياة بالنسبة لي، لتُظهر أنه لا يعيش فقط في الأرشيفات أو النصوص الأكاديمية، بل يستمر في ذاكرة العائلات، محفوظًا عبر الأجيال، ويُستعاد من جديد عبر روابط إنسانية عميقة وغير متوقعة.

لم يكن السيناتور إميل سانت-لو أول سفير لهايتي في الأمم المتحدة فحسب، بل كان أيضًا شخصية رائدة على الساحة العالمية، شارك بعمق في صياغة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.

وبصفته عضوًا مؤسسًا في الأمم المتحدة، وقف إلى جانب قادة العالم في وضع الأطر الخاصة بالسلام والعدالة وكرامة الإنسان، وكان أحد الموقّعين على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث عمل عن قرب مع رئيسة لجنة الصياغة إلينور روزفلت، السيدة الأولى السابقة للولايات المتحدة، التي ساعدت رؤيتها الأخلاقية ودفاعها عن حقوق الإنسان في توجيه عملية صياغة هذا الوثيقة التاريخية. إميل سانت-لو، (1904 –1976)، كان سياسيًا ومحاميًا وصحفيًا هايتيًا بارزًا، شغل عدة مناصب حكومية منها وزير التعليم ووزير الصحة العامة ووزير العمل عام 1947، ووزير العمل والعدل عام 1950، كما تولى منصب أول سفير لهايتي لدى الأمم المتحدة وكان عضوًا في مجلس الأمن، حيث كان مسؤولًا عن التصويت على استقلال الدولإن مشاركة سانت-لو في تلك اللحظة الفارقة أكدت التزامه العميق بمبادئ الحرية والمساواة وتقرير المصير، كما وضعت هايتي، تلك الأمة الكاريبية الصغيرة، في قلب جهد عالمي تحوّلي هدفه إرساء حقوق وحريات جميع الشعوب
الجذور التاريخية للعلاقات بين الصومال وهايتي تعود إلى المرحلة الحاسمة من نضال الصوماليين من أجل تقرير المصير، حين أوفدت رابطة الشباب الصومالي، التي كانت عازمة على تحقيق الوحدة الوطنية والاستقلال، أمينها العام عبد الله عيسى محمد إلى نيويورك عام 1948 لطرح قضية الصومال أمام الدبلوماسيين ومسؤولي الأمم المتحدة وأصحاب القرار الدوليين، بهدف تعزيز الوعي بالطموحات السياسية للشعب الصومالي.

وقد تبنّت الرابطة موقفًا صارمًا برفض أي خطة لإعادة الصومال تحت السيطرة الإيطالية، واعتبرت ذلك خيانة صريحة لإرادة الأمة.

وعوضًا عن ذلك، طالب بوضوح بأن تُوضع إدارة الصومال تحت الوصاية الدولية لأربع قوى كبرى، وهي الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، الاتحاد السوفيتي، وفرنسا، لضمان أن يكون مستقبل الصومال محميًا تحت إشراف دولي مباشر يضمن احترام سيادته وحق شعبه في تقرير مصيره. وفي تلك الفترة، كان عبد الله عيسى يستند إلى دعم حيوي من جالية صومالية صغيرة لكنها مخلصة في نيويورك، بلغ عددها نحو 120 شخصًا، من بينهم عبد القادر قرابة، جامع أبوراس، إسماعيل أحمد عنجير، حاج سيتين يوسف وآخرون، الذين تكفلوا بتقديم المساندة المالية واللوجستية لضمان قدرته على مواصلة نشاطه بفاعلية في الخارج، والحفاظ على حضور صومالي مؤثر داخل أروقة الدبلوماسية الدولية
ومن بين الدبلوماسيين الأجانب المتعاطفين مع القضية الصومالية.

برز سفير هايتي لدى الأمم المتحدة، السيناتور إميل سانت-لو، الذي تعرّف عن قرب على تطلعات الصومال من خلال علاقاته الوثيقة مع عبد الله عيسى، فقدم دعمًا مبدئيًا يعكس شبكة أوسع من الحلفاء الدوليين الذين اعترفوا بشرعية الحكم الذاتي الصومالي والوحدة الوطنية.

لقد جسدت الشراكة بين الجالية الصومالية في نيويورك والدبلوماسيين الملتزمين مثل سانت-لو التفاعل الديناميكي بين التعبئة الشعبية والدبلوماسية رفيعة المستوى، مظهرةً فسؤلوهم سؤلاً على نفسهم كيف يمكن للشعوب الصغيرة والمقهورة أن تؤثر في عملية صنع القرار العالمي؟ وبفضل التفاني الذي أبدته الجالية الصومالية، مدعومًا بتضامن هؤلاء الحلفاء، نجحت جهود عبد الله عيسى في رفع قضية الصومال إلى صدارة اهتمامات الأمم المتحدة. ومن خلال معارضتهم الفعالة لمقترحات إعادة الإدارة الاستعمارية الإيطالية، أكدت رابطة الشباب الصومالي وممثلوها المبدأ الجوهري القائل بأن مستقبل الصومال يجب أن يقرره الصوماليون أنفسهم، واضعين الأساس لانتصارات دبلوماسية لاحقة، وللاعتراف الأوسع بسيادة الصومال، ولمسار السعي نحو التماسك الوطني على الساحة الدولية
في مايو سنة 1949، عندما عُرضت مسألة وضع الصومال تحت الإدارة الإيطالية دون تحديد فترة زمنية على الجمعية العامة للأمم المتحدة، تمحور النقاش حول خطة بيفن–سفورزا المثيرة للجدل، التي تفاوض بشأنها وزير الخارجية البريطاني إرنست بيفن ووزير الخارجية الإيطالي الكونت كارلو سفورزا. في معاهدة السلام الصادرة في فبراير 1947، تنازلت إيطاليا رسميًا عن سيادتها على مستعمراتها الأفريقية ليبيا وإريتريا والصومال واعترفت باستقلال إثيوبيا. وقد اقترحت الخطة إعادة إيطاليا إلى إدارة مستعمرتها السابقة، الصومال، مع تقسيم أراضٍ أخرى مثل ليبيا وإريتريا بين قوى الحلفاء المنتصرة. هذا المقترح أثار فورًا معارضة شديدة، خاصة من الوفود الإفريقية والعربية ومن الصوماليين أنفسهم، الذين رأوا فيه خيانة لمبدأ حق تقرير المصير المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة.

كما أعربت معظم دول آسيا عن رفضها للخطة، بما في ذلك الهند، باكستان، الصين، اليابان، الفلبين، وإندونيسيا، معتبرة أن إعادة السلطة لإيطاليا دون إشراف دولي يتعارض مع العدالة وحقوق الشعوب المستعمَرة.

لقد اعتُبر إعادة السلطة إلى إيطاليا—وهي القوة الاستعمارية التي اضطهدت الصوماليين وتحالفت مع ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية—إجراءً ظالمًا ورجعيًا سياسيًا.

ومع ذلك، ورغم هذا النقد الواسع، بدا أن الخطة في بدايتها مرشحة للنجاح، مدعومة بقوة من معظم القوى الغربية وكتلة أمريكا اللاتينية، التي سعت إلى تسهيل إعادة تأهيل إيطاليا بعد الحرب واستعادة نفوذها الاستعماري السابق
وفي خضم ذلك الجدل المحتدم، صوّت ممثل هايتي، السيناتور إميل سانت-لو، تصويتًا حاسمًا غيّر مجرى التاريخ متحديًا سياسة حكومته، إذ خرج عن صفوف غالبية دول أمريكا اللاتينية التي أيّدت عودة إيطاليا إلى الصومال، وصوّت ضد المقترح البريطاني–الإيطالي، وكان اعتراضه حاسمًا رجّح كفة فشل المشروع، لتبرز هايتي، الدولة الكاريبية الصغيرة التي لا تملك أي مصلحة مباشرة في القرن الإفريقي، كصوت أخلاقي يدافع عن حق الشعوب الإفريقية في تقرير مصيرها. إلى جانب عبد الله عيسى، لعبت حملة رئيس لجنة تحرير ليبيا، علي العنيزي، التي عارضت تقسيم بلاده بين ثلاث دول: إيطاليا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، دورًا مهمًا في إحباط المشروع الإيطالي-البريطاني. بعد إحباط المشروع البريطاني–الإيطالي ، تقرر توحيد إريتريا مع إثيوبيا في عام 1952 كدولة اتحادية ذات حكم ذاتي، بينما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا ينص على وجوب أن تصبح ليبيا دولة مستقلة قبل الأول من يناير 1952.

وبعد تصويته، ألقى سانت-لو خطابًا مؤثرًا أمام الجمعية العامة في 18 مايو 1949، أعلن فيه أن الروابط مع الشعوب الإفريقية تجعل من المستحيل على هايتي دعم مشروع قرار اللجنة الأولى الذي ربما كانت له عواقب وخيمة عليهم، وهو موقف جسّد إرث هايتي كأول جمهورية سوداء وُلدت من ثورة ناجحة ضد الاستعمار، دولة خبرت معنى الحرية والكرامة ومقاومة الهيمنة
السيناتور إميل سانت-لو، سفير هايتي لدى الأمم المتحدة، عمل بشكل وثيق مع عبد الله عيسى، متجاوزًا حدود المناصرة الإجرائية إلى اتخاذ موقف أخلاقي عميق، مظهرًا كيف أن نضالات الشعوب السوداء والإفريقية كانت مترابطة عبر القارات.

فقد نجحت جهودهما في إحباط مشروع بيفن–سفورزا، الذي كان سيعيد لإيطاليا سيطرتها الاستعمارية المباشرة، لتنتهي المسألة بدلاً من ذلك بوضع الصومال تحت نظام الوصاية الدولية للأمم المتحدة، تُشرف عليه مصر والفلبين وكولومبيا، مع إدارة إيطالية لمدة عشر سنوات. لقد أعاد تدخل سانت-لو صياغة مستقبل الصومال، إذ ضمن أن إيطاليا لن تحكم دون إشراف دولي، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن ضمير دولة صغيرة يمكن أن يؤثر على القرارات العالمية، ويصون مبدأ تقرير المصير، ويؤكد رسالة هايتي التاريخية في الوقوف إلى جانب الشعوب المقهورة.

ومن خلال هذا العمل المشترك بين الجهد المحلي والدعم الدولي، لم يحافظ الصومال على حقه في رسم مصيره فحسب، بل وضع أيضًا الأساس للاعتراف الدبلوماسي اللاحق، وللوحدة الوطنية، ولتأكيد السيادة على الساحة الدولية

وبعد الاستقلال، وعلى الأرجح بتوصية من وزير الخارجية الصومالي عبد الله عيسى، مُنح السيد إميل سانت-لو عام 1961 وسام النجمة الصومالية من قبل الرئيس آدم عبد الله عثمان، وهو أحد أرفع الأوسمة الوطنية، تكريمًا لدعمه الثابت خلال تلك اللحظة المفصلية، مما رسّخ إرثه كحليف أساسي في مسيرة الصومال نحو السيادة والوحدة الوطنية.

وقد أُعلنهذا التكريم رسميًا وقُرئ على الملأ أمام الجمعية الوطنية الصومالية، في احتفال لم يكرّم تصويت سانت-لو الحاسم في الأمم المتحدة ضد إعادة الاستعمار الإيطالي فحسب، بل أيضًا شجاعته والمبادئ التي وجّهت جهوده الدبلوماسية.

غير أن الاعتراف لم يقتصر على الجانب الرمزي، إذ قام وزير الخارجية عبد الله عيسى لاحقًا بتعيينه مستشارًا قانونيًا للبعثة الدائمة للصومال لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وهو منصب واصل من خلاله الدفاع عن المصالح الصومالية على الساحة الدولية، رابطًا بين القارات عبر الدبلوماسية ومعززًا الشراكة المستمرة بين هايتي والصومال.

لقد شكّل هذا الاعتراف المزدوج—الرمزي والمهني—شهادة على أن القيادة الأخلاقية والمناصرة الثابتة يمكن أن تؤسس لروابط دائمة بين الأمم، تاركة إرثًا يتردد صداه في القاعات الاحتفالية والمجالس الدبلوماسية على حد سواء، وملهمةً الأجيال المقبلة لتكريم قوة الموقف المبدئي في صناعة التاريخ.

الرابطة التاريخية بين الصومال وهايتي، التي تشكّلت من خلال التفاني الثابت للأمين العام لحزب الشباب الصومالي عبد الله عيسى والسفير إميل سانت-لو، تُعد شهادة بارزة على قوة القيادة المبدئية، والشجاعة الأخلاقية، والتضامن العابر للحدود. لقد شكّل تعاونهما لحظة محورية في نضال الصومال من أجل تقرير المصير، وأثبت في الوقت ذاته كيف يمكن لأفراد ملتزمين، بغض النظر عن الموقع الجغرافي، أن يؤثروا في مسار التاريخ ويكرّسوا القيم العليا للعدالة والكرامة وحقوق الإنسان.

هذا الإرث المتجذر لم يتوقف عند حدود الماضي، بل امتد إلى الأجيال اللاحقة، ويتجسد اليوم في نجل سانت-لو، الذي يتولى قيادة مؤسسة الشعلة، حاملاً رسالة والده من خلال مبادرات ملموسة في بناء السلام والتعليم وتعزيز الروابط الدائمة مع الصومال.

ومن خلال ربط القارات والاستمرار في مهمة تعزيز الفهم والتمكين والتعاون، يحوّل الابن هذا العمل التاريخي من التضامن إلى قوة حية وديناميكية، ضامناً أن تبقى مبادئ العدالة وتقرير المصير والصداقة العابرة للثقافات نابضة بالحياة وذات صلة عميقة في كل من هايتي والصومال
في الممرات الهادئة للبحث التاريخي الصومالي، كانت هناك قصة مذهلة تنتظر أن تُروى—قصة عن الشجاعة والمبدأ والتضامن الدولي التي بقيت إلى حد كبير في طي النسيان، إلى أن أزاح الستار عنها المحامي والمؤرخ البارز محمد ترونجي، ليعيدها إلى الحياة بوضوح وقوة.

فقد تعمق ترونجي في دراسة حياة وأعمال السفير إميل سانت-لو، الدبلوماسي الهايتي الذي أسهم دعمه الراسخ في رسم مسار الصومال نحو تقرير المصير، ولم يقتصر بحثه على الإشارات العابرة في مؤلفاته التاريخية، بل سعى إلى إبراز القيمة الأخلاقية والدبلوماسية العميقة لأفعال سانت-لو، موضحاً كيف يمكن لصوت مبدئي واحد أن يؤثر في مصير أمة بأكملها.

 

الأستاذ عبد الرحمن عبد الله (باديَوو)

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.