
الثورة كلمة عربية من ثار يثور ثورا، وهي بمعنى الهيجان والانتفاضة المعبرة عن عدم الرضى بواقع معين والسعي إلى تغييره.تنوعت أنماط الثورات في الساحة العربية منذ القرن الماضي، ونذكر منها نموذجين اثنين:النموذج الأول: ثورة تحرير الأوطان من القوى الأجنبية المستعمرة، والتي كانت تحكم المنطقة العربية بالقوة العسكرية فترة طويلة، متصرفة بمقدراتها، دون الرجوع إلى الشعب، المالك الحقيقي لها.بمجرد سماعنا كلمة "الثورة" تتدفق على أذهاننا الذكريات، ونستحضر ذلك النشاط التحرري من أجل الخروج من دائرة الدول الاستعمارية في القرن العشرين، والمعاناة الكبيرة التي رافقت تلك الأعمال الوطنية، والدماء الغزيرة التي سالت لملايين الشهداء الذين تساقطوا تباعا في كافة الساحات، والسهول والروابي، والمدن والبوادي، وانتهت المذابح والمجازر برحيل الدول المستعمرة ونيل الاستقلال، ولو بصورة شكلية.حدث هذا بعد تمزيق الأمة وتقسيمها إلى قطع شطرنج وكنتونات صغيرة، فقدت قدرا كبيرا من هويتها من الناحية العملية بموجب سياسة الدول المستعمرة، وبوضع حواجز مادية ملموسة، ومعنوية ذات أثر بالغ لا يمكن مسحهما من ذاكرة شعوبنا بسهولة ويسر، أو تغيير المعالم التي صممها الاستعمار بعناية ودهاء كبيرين.لقد أطلقت وصف " الثوار" على كل القوى الوطنية التي حاربت الاستعمار الغربي سواء في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا الجنوبية، وتلك كانت هبّة عارمة ضد العدو الخارجي عن طريق القوة العسكرية، من أجل نيل الحرية والاستقلال وبناء دولة ذات سيادة ومعترف بها عالميا في نهاية الأمر، ثم أصبحت كلمة الثورة فيما بعد مصطلحا يستخدم لكل من يخرج ضد دولة من الدول أيا كانت الأهداف المراد تحقيقها.النموذج الثاني: ثورة تحريرالشعوب العربية من استبداد حكامها، من بني جلدتها.لماذا الثورة ضد الحكام؟لا تختلف الشعوب العربية كثيرا في وصف الأمراض المدمرة التي تعكر صفو حياتها، ونشيد الحرية هو الذي يتردد في روحها صباح مساء، بلا انقطاع إلى درجة الإدمان، ولسان حالها يقول: "حرية الشعوب حياتها، وتنجب العبيد بدونها"، مدركة أن كاهلها مثقل بأنظمة حكم استفردت بمقدرات الأمة وإمكانياتها، الأمر الذي أدى إلى حرمانها من كثير من ضرورات الحياة اليومية.أضف إلى ذالك أن جـلّ الحريات الأساسية للفرد والجماعة قد صودرت، وأصبح القمع والتعذيب وتكميم الأفواه سيد الموقف، كما أن الاستيلاء على الأموال العامة والخاصة بواسطة الحجج المختلقة والأكاذيب المنمقة، ظل ظاهرة شائعة في المجتمع العربي، فاختلت الموازين، وفقدت الشعوب حريتها الحقيقية.إنها عبودية من نوع جديد، لأن الحدود الفاصلة بين الحكام والشعوب هي تشبه في بعض جوانبها بتلك العلاقة بين الأسياد والعبيد في التاريخ البشري السحيق، وفي بعض الجوانب فإن مساوئ هذه العبودية الجديدة أسوأ بكثير من سابقتها، لأنه كان لزاما على الأسياد - في تلك الأزمنة السحيقة - توفير الطعام والشراب لعبيدهم، وهو ما تفتقره اليوم كثير من الشعوب المستعبدة، المسلوبة الإرادة والفاقدة الحرية، وفعلا انتقلت الشعوب من الحرية التي وهبها الله إياها الى العبودية التي أحدثها تقنين الظالمين. ولم تعد الشعوب طرفا أساسيا في القرارات المصيرية المتعلقة بحاضرها ومستقبلها، إنه وضع شبيه بالوضع الذي تشير إليه الآية الكريمة: { يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }.إنها شعوب خاوية البطون، تعاني من الأمراض الفتاكة والجهل، وتفتقد الحريات الأساسية في الحياة، وتتسع الفجوة العميقة بينها وبين حكامها.وبالرغم من السلبيات المتراكمة التي تحفل بها حياة الشعوب العربية، من بؤس اجتماعي وسياسي وخوف ويأس قاتل، فقد تحولت الشعوب إلى أدوات يملكها الحكام، يطوعونها لمصالحهم الشخصية كيفما شاؤا، ولا يرجى منها سوى الطاعة العمياء مع كل تلك المصائب والرزايا، {فاستخف قومه فاطاعوه...}.لقد انعدمت الأدوار الفعالة للشعوب في الساحة السياسية سواء في الملكيات التقليدية، أم في الجمهوريات التي أنتجتها الانقلابات العسكرية، وتوارث الضباط حكمها توارثا صوريا مؤقتا ريثما يكبر أولاد الرؤساء، ليرثوا الحكم بنفوذ آبائهم، هي إذا ليست جمهوريات بل ملكيات مطورة من نوع جديد، وبراءة اخترع سياسي في الوطن العربي!ويمكن القول إن هذا التوجه الوراثي - سواء أكان تحت لافتة الملكيات التقليدية أم الجمهوريات الوراثية - هو تشبث بتراثنا السياسي ونظام الحكم التقليدي الذي أطل برأسه بعد عام الجماعة، حيث تنازل سيدنا الحسن بن علي عن حكم الخلافة الراشدة لسيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم أجمعين.وتجتاح الثورة اليوم كافة الأوطان العربية بصورة متفاوتة، مستخدمة سلاحا جديدا وفتاكا يستخدم أول مرة في هذه المنطقة، وهو التظاهرات السلمية الخالية من العنف والتدمير والتخريب ونهب الممتلكات والانتقام من الخصوم.وهذه الظاهرة تمثل نقلة نوعية نحو تغيير واقع المجتمع العربي المتأزم من تراكمات عقود طويلة لم تعرف الشعوب فيها طعم الحرية والأمن والعدالة.
ما هي الدوافع المفجرة للوضع العربي؟هناك جملة من الأسباب المؤدية إلى اندلاع الثورات الشعبية في الأوطان العربية، ومن بينها:1-تداعيات الاقتصاد المنهار.إن الوضع الاقتصادي المتدهور خلق حالة من التوتر وعدم الرضى عن السياسة التنموية المتبعة، والمؤدية إلى مضاعفة الفقر و الشقاء الاجتماعي لمختلف شرائح المجتمع.فهناك ملايين الأشخاص في الدول العربية يعيشون تحت خط الفقر، ولا يستطيعون الحصول على المصاريف اليومية الضرورية ولايملكون سكنا يؤويهم، فيبيتون في قارعة الشوارع أو المقابر، فتتناسل وتتربى أجيال كاملة في هذه الظروف القاسية.وفي المقابل تتكدس المليارات في جيوب مجموعات قليلة العدد من حاشية الحكام وأقربائهم والأجهزة الأمنية العلنية منها والسرية، وتلك التصرفات المهووسة وما يرافقها من المظالم الاجتماعية عمقت الشرخ بين المجتمع وبين الحكام إلى درجة الجفوة والانفصال التام بين الطرفين.2-السياسة التي يقودها الاستبداد ويظللها الاحتكار.الأجواء السياسية في المجتمع العربي لم تتطور بتطور الفكر السياسي العالمي وتعدد نظرياته. فمعلوم أننا لم نحسن تقليد النظام السياسي الغربي بشقيه الملكي الدستوري أو الجمهوري، ولم نأت بنظام مبتكر من عندنا بصورة كلية أو جزئية يقنع المجتمع بامكانية تطبيقه على أرض الواقع.وبضغط من الثقافة الغربية المهيمنة على الأجواء العالمية نصت كل دساتير الجمهوريات الوراثية باتباع المنهج الغربي للحكم وإجراء انتخابات دورية حرة ونزيهة.ومع الأسف، فلم تر تلك السياسات النور بعد، وإنما ظلت قشورا لامضمون لها، وكنا نشاهد يوما بعد يوم ذلك الحنين إلى حكم الفرد والعائلة يتضح أكثر وأكثر، وفاءا لتاريخنا السياسي العتيد! فالموت أو الخلع هو الفاصل بين الرئيس والحكم، وتعدى الأمر إلى محاولة إسدال شرعية الانتخابات الحرة النزيهة والتأييد المطلق من الجمهور على الحكم الوراثي !لقد ظلت الملكية تراوح مكانها بدون تقنين يذكر، ولم توضع لها أنظمة تفصل نظامها الداخلي لتضمن لها الاستمرار وتبعدها عن الارتجالية والخضوع للرغبات الشخصية والمفاجآت والصراعات والانقلابات العسكرية داخل الأسرة المالكة بين فينة وأخرى. إن هذا الجمود لم يعد يقنع المجتمعات العربية وخاصة الطبقة المتعلمة الواعية التي تستوعب كيف تغيرت الملكية في العالم من حكم شامل إلى ملكية دستورية رمزية تعبر عن شرف الملوك وهيبتهم التاريخية، وهو الأمر الذي أقنع أغلب شعوب العالم بقبول ذلك.صحيح أن الملكية التقليدية جزء من تراثنا ولا نعرف غيرها عند الحديث عن الحكم، وصحيح أنها راسخة في أذهاننا رسوخ الجبال الراسيات وهو السبب الذي جعل المتظاهرين في الشارع العربي يرددون " الشعب يريد إصلاح النظام" فقط في الدول التي يحكمها الملوك في المجتمع العربي بدل ترديدهم جملة " الشعب يريد إسقاط النظام" في الجمهوريات الملكية التي يحكمها الضباط بحراسة الجيوش.إن سياسة الحكم بشقيه الملكية التقليدية أو الجمهورية الملكية خلق بيئة من الانفصام والكراهية، وأوصل أفراد المجتمع إلى قناعة أنهم ليسوا بمواطنين أصلا، وبأن الوطن ملك شخصي للطبقة الحاكمة والمنتفعين حولهم، أذكر أنني قلت لدكتور عربي في إحدى المناسبات: إن وطنكم مهدد باجتياح خارجي، فقال: يا سيدي هذا ليس وطني! فسألته: وطن من إذا؟ فأجاب: إنما هو وطن "بني فلان" ذاكرا اسم العائلة التي تتوارث الحكم في وطنه! إن تصرفات الحكام في كثير من الأحيان توحي بإيمانهم الراسخ بأن الأوطان من أملاكهم الشخصية، والشعوب في نظرهم لم تصل بعد إلى مستوى الرشد لتشارك في اتخاذ القرارت المصيرية في حياتهم، مما دفع الملايين إلى الشوارع في اللحظة المواتية، فلم يُغرر بهم أحد، وليسوا شبابا طائشا ولا مدمني مخدرات ولا متعاطي حبوب هلوسة ولم تحركهم المؤمرات والأجندات الخارجية ولا الحركات الإسلامية المحظورة مثل: الاخوان المسلمون والجماعات الجهادية السلفية. لقد بلغت تلك الشعوب مرحلة من الرشد والنضج السياسي الذي أهّلها لتخطي المرحلة بكفاءة عالية.3-الثقافة الناهضة في المجتمع العربي.من المؤثرات المهمة التي ساهمت في صنع الأحداث الأخيرة في الساحة العربية: النمو المعرفي والثقافي.كانت الثقافة قبل منتصف القرن العشرين محدودة للغاية، فالأمية كانت الأصل، ونسبة خريجي الجامعات آنذاك لم يكن لها أي وزن يذكر نظرا لحداثة تجربة التعليم الجامعي، إذ كانت أولى الجامعات في المجتمع العربي قد تم فتحها في منتصف القرن الماضي.وبعد ستين عاما من زحف التعليم الجامعي وانطلاقته نشاهد اليوم تحولات ملحوظة طالت نمط التفكير في الأوساط كلها، فتغيرت كثير من المسلمات الفكرية والسياسية والاقتصادية، وزالت تقاليد ووفدت إلى الساحة تقاليد أخرى مغايرة.سافر مئات الآلاف من الطلبة إلى خارج بلدانهم للتعلّم في مختلف الجامعات العالمية، وفتحت الجامعات والمعاهد العليا في مختلف المدن العربية، مما أحدث تغيرات هائلة في أقل من قرن، ولعل هذا الأمر هو الذي باعد المسافة بين الحكام الذين لم يحظوا بتعليم مناسب وبين الملايين من شباب هذه الأمة الذين نالوا أرقى الدرجات العلمية، واطلعوا على تجارب الشعوب الأخرى، واستفادوا من وسائط التكنولوجيا الحديثة للتعبير عن آرائهم، ما يعني أن الساحة العربية تشهد اليوم وجود جيلين مختلفين ثقافيا: جيل الحكام الذين تقلدوا هذه المناصب قبل ثورة المعلومات، وانتشار مواقع التواصل الإجتماعي عبر شبكة الإنترنت: كاليوتيوب والفيس بوك والتويتر، والتي هي خارجة عن سلطة الحكام ونفوذهم!فشتان ما بين باراك حسين أوباما الذي استخدم هذه الوسائل لتغطية تكاليف حملته الانتخابية وهو في الأربعينيات من عمره وبين من تقلد كرسي الحكم قبل أربعين أو ثلاثين عاما، ولا يزال يعيش في عصر الخطب الرنانة التي تلقن للجماهير تلقينا! إنهم يعيشون في عصر سحيق، غير هذا العصر، فهم معذورون إن لم يستوعبوا مجريات الأحداث وتطوراتها.4-الإعلام وهتك المستور.قامت وسائل الاعلام المتنوعة بدور بارز لا تخطئه العيون، فالصور الملتقطة من ميادين وساحات المظاهرات عبر الهواتف المحمولة والكاميرات الخفية كشفت حجم الجرائم المرتكبة ضد المتظاهرين السلميين، وكشفت الأساليب الوحشية التي انتهجتها أجهزة الأمن التابعة للأنظمة، مثل: دهس المجموعات البشرية بالسيارات واستخدام الخيول والجمال المدربة واستخدام الرصاص الحي ضد الصدور العارية، وتابعنا جميعا كيف تولت القنوات التلفزيونية..قيادة التظاهرات من خلال تعليقات الخبراء وتوجيهاتهم ونصحهم، وكيف أصبح الاعلام بمثابة نافذة اتصال بين شتى المحتجين في مختلف الأقطار العربية.وعندما حاولت بعض الدول حجب كافة أشكال الاتصال والتواصل بين شعوبهم وبين العالم من خلال قطع خطوط الهواتف المحمولة والأرضية وشبكة الانترنت فوجئت بعجزها عن تنفيذ قرارها وأدركت أن إرادة هذه الشركات أقوى وأمضى من قرارها، وثبن أن طبقة الحكام ومن يحيطون بهم متخلفون عن ركب التكنولوجيا، والتي تطورت بصورة متسارعة خلال العقدين الأخيرين فقط، بينما هم جالسون على كراسي الحكم قبل ذلك بمدد طويلة، ولو تركوا الحكم من قديم لوفروا على أنفسهم مشقة خوض الصراع مع أحفادهم..ومن ذا الذي سيغلب في معركة يخوضها مع حفيده؟!إن التكنولوجيا الحديثة ووسائل الإعلام كشفت ضعف أنظمة الحكم وأجهزتها القمعية، وأظهرت وعي الشعوب المتنامي، وطاقة الشباب العربي المتجددة، ولولا هذه الوسائل لكان عسيرا مواصلة التظاهرات السلمية وتماسك المحتجين وتوحيد شعاراتهم من المحيط إلى الخليج بهذه الطريق التي أدهشت العالم..لقد أعطت هذه الوسائط الإعلامية المعارضة قوة خارقة لم تكن متاحة لمثيلاتها من الأجيال السابقة.5-القوى المشاركة في الثورة العربية.لا تنتمي القوى المشاركة في الثورات العربية إلى تيار سياسي بعينه، أو أيديولوجية فكرية خاصة، أو فئة عمرية دون أخرى، أو أهل ملة من الملل الموجودة في المجتمع العربي، بل الجميع ساهم ويساهم فيها حسب قدراته وإمكاناته، الرجال والنساء، الكبار والصغار، المسلمون والمسيحيون، القوميون والإسلاميون والشيوعون والاشتراكيون والناصريون والليبراليون والمنتسبون إلى الأحزاب السياسية المختلفة، ومن لا علاقة لهم بالتيارات الفكرية والسياسية، تسير بهدي من شباب الأمة، لا أحد يدعي أنها من ابتكاراته وجهوده الخاصة، ولعل هذا هو سر نجاحها الفريد وتجدد قوتها دوما، إن الثورة هي الشعب، والشعب هو الثورة، وعنوانها هوالتحرر من الخوف وبطش الحكام، وتلك علامة فارقة بين النصر والهزيمة وبين الموت والحياة كما قال أبوبكر رضي الله لخالد بن الوليد وجيشه رضي الله عنه عندما بعثهم لمحاربة المرتدين ومانعي الزكاة " أطلبوا الموت توهب لكم الحياة".لقد كان سرّ قوة الثورات العربية هو وحدة الثوار الوطنية وترفعهم عن الخلافات السطحية والمسائل الهامشية التي حجبت رؤية القضايا المصيرية الجوهرية عقودا طويلة. المؤشرات الدالة على الوعي التغييري.أولا: سلمية الثورة العربية.هذه الثورة المتأججة سلمية 100% ورافضة العنف بكل أشكاله وبكل حزم، ومن شعاراتها الأكثر شهرة: سلمية سلمية سلمية.ولهذا تحدّت بشجاعة المسلحين وأجهزة الأمن بالصدور العارية، وقاومت كافة الاستفزازات بصمود مبهر، دون استخدام وسائل القوة المتنوعة المتاحة.ثانيا: المشاركة الشعبية الواسعة.بدون التفات إلى الفروق الموجودة في الساحة المحلية، سواء أكانت فروقا جوهرية أو فروقا هامشية طفيفة. ولأول مرة نشاهد إقامة جنازة مشتركة بين المسلمين والمسيحيين لشهداء الثورة في مصر.ثالثا: خـالية من النهب والتخريب والانتقام وردات الفعل.خلت التظاهرات من الأعمال المنافية الآداب العامة، وهي ظاهرة حضارية غير مألوفة في مثل هذه المناسبة عادة.رابعا: الصبر والثبات في الميادين.فرغم طول المدة فإن أعداد المتظاهرين كانت وما تزال في تزايد في الدول التي تسعى شعوبها إلى إسقاط النظام وتنحي رؤسائها، ولم يصبها ملل ولا كلل بل اثبتوا صمودا نادر الحدوث في تاريخ الثورات العالمية، وهو ما يستحق الإشادة والتبجيل.خامسا: وحدة المطالب الشعبية وشعاراتها.وحدت الثورة مطالبها في كل بلد عربي، إنها متحدة في المطالبة بإجراء إصلاحات جذرية شاملة بشأن السياسة والثقافة والاقتصاد، وتوفير الحريات، وتحسين ظروف المعيشة، ومحاربة الفساد والتزوير والغش وقطع دابر الفاسدين، تشبه الثورات العربية فرقة موسيقية مدربة على تقاسم أدوار عزفها للمقطوعات المتناغمة..حيث الانسجام التام في الأداء الراقي. فهناك سقف مرتفع إلى حد كبير يصل الى مستوى تنحي رئيس الجمهورية عن سدة الحكم، وهذا المطلب في الدول التي نسميها الجمهوريات الملكية، لأنها وعدت شعوبها الديموقراطية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة، وهو بالطبع ما لم يتحقق في الواقع العملي على الإطلاق، وحل محله التزوير والاحتكار وتوريث الحكم وكل ما يسيئ إلى المواطن، أما الشعوب التي تعيش في ظل الملكيات التقليدية فاكتفت بالاصلاحات الجذرية فقط دون المطالبة بتنحي الملوك، لأن الملوك لم يعدوا شعوبهم يوما بأنهم سيتنازلون عن الحكم.. ويستحقون الشكر والتقدير لكونهم صدقوا في هذه النقطة بالذات! والشعوب العربية مقتنعة من الناحية النفسية بالحكم الوراثي، لكونها عاشت حوالي 14 قرنا على الحكم الوراثي ولم يتطور الحكم في المجتمع العربي نحو تداول السلطة بصورة يتساوى فيها الجميع، ولربما هذا هو السبب الأساسي الذي اقتصرت المطالب من أجله على إصلاح الحكم الملكي التقليدي دون الخوض في إزالته.ما نشاهده اليوم في الساحة العربية لأمر مدهش حقا، إنه بعيد كل البعد عن الأمور التالية:العواطف المؤججة التي يحركها الغضب والأنانية، والأفعال المرتجلة الظرفية، والتصرفات المشبعة بالأحقاد والكراهية وحب الانتقام.دوافع الأحزاب والحركات الاسلامية أو الطوائف الدينية أيا كانت الايدلوجيات والمذاهب والأديان التي تنتمي إليها.تدبير تيارات العنف ومؤمني التغيير عن طريق القوة العسكرية تحت مسميات متنوعة، لأن هذه الثورات تدفن كافة الحجج المنطقية لديها والمبررات التي تستند إليها، ومنبعها ظلم الحكام وجبروتهم وضعف الشعوب أمام أنظمة الحكم.الانقلابات العسكرية التي تقودها مجموعة من الضباط هواة السلطة والثروة.الأيادي الخارجية وأجهزة أمنها، لأنها ببساطة كانت مع أنظمة الحكم وفي اتجاه سير واحد مع فقدان التوازن المصلحي بين الطرفين، ولهذا لا يوجد مبرر واحد لإعلان الحرب من قبها ضد الأنظمة العربية إلا إذا ألغينا عقولنا وأغمضنا أعيننا.
وباختصار: يظهر في ميادين الثورات العربية نضج ووعي غير معتاد في تلك البلدان، فليس أمرا طبيعيا وجود الملايين في موقع واحد بدون حدوث مشاحنات أو فوضى أو شجار بين الأشخاص أو انسيات أمني، وهو دليل قوي على حجم التغيرات الهائلة التي أحدثها التعليم العالي والثورة المعلوماتية التي يقودها السباق التكنولوجي والتواصل العالمي. ماذا حققت الثورة العربية حتى الأن؟إن أهم نجاح حققته الثورة العربية حتى الآن هو:أولا: إزاحة كابوس الخوف عن الفرد العربي ومنحه الحرية.هذا الحدث أظهر فجأة قدرة المجتمع العربي على الانتفاضة على أسياده والجرأة على التلفظ بلفظة: "لاأريد هذا، أو أنا أريد هذا "! وليس هذا الأمر من سمات المغلوبين على أمرهم، الذين تعودوا تلقي التوجيهات والأوامر.وبرهنت الأحداث أن الحريات تؤخذ بالقوة ولا تأتي هدية باذخة أو منحة من أحد.ثانيا: كشف القدرات الكامنة في الشعوب العربية.أظهرت الثورات العربية القوة الذاتية التي لم تكن بارزة بعد أن أنهكت قوتها الحقيقية المظالم المتراكمة المتوالية حتى توارت واختفت معالمها وفقدت الثقة بنفسها ويأست من التغيير والتحرر من الاستبداد الذي طال ليله، فعادت الثقة إلى الشعوب العربية وارتفعت المعنويات، وهذا هو التغيير النابع من داخل الشعوب لا من خارجها وهذا مصداقا لقوله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ}.ثالثا: تغيير صورة المجتمع العربي في العالم.التطورات الثورية كانت مفاجأة ضخمة أوقعت العالم في حيرة من أمره حتى اعترف رئيس الولايات المتحدة بفشل مخابراته في توقع ما يجري في الشرق الأسط، وكذلك إسرائيل التي وصفت ما حدث بأنه زلزال سياسي! وسائر دول العالم كانت مبهورة مما حدث.وعنما سئل كيسنجر وزير خارجية أمريكا الأسبق ومهندس سياسة أمريكا في الشرق الأوسط في فترة سبعينيات من القرن الماضي عن رأيه إزاء ما يجري في الوطن العربي قال بالحرف الواحد: " هذه الشعوب ليست الشعوب التي كنا نعرفها وإنما هي شعوب جديدة حقا".رابعا: إسقاط أنظمة حكم عربية من العيار الثقيل.كانت البداية في تونس الخضراء، النموذج الأمثل للدولة العربية المتحضرة والتي حظيت برضى الدول الغربية، انهار نظامها تحت هدير ثورة شعب مطحون، وخرج الرئيس من قصر الحكم مذعورا هائما على وجهه، غير مرحب به في كثير من العواصم التي وقفت سابقا بجانبه، وفي هذه اللحظة بالذات تبين أن المجتمع العالمي يقف بجانب مصلحته فقط دوما، لا بجانب الرؤساء الأصدقاء، لقد قالت باريس للطائرة المقلة للرئيس التونسي المبجل لديها طوال فترة حكمه: " لا مكان لك هنا، وانتهت العلاقة بيننا وبين سيادتك" أي صدمة تلك! لفظه شعبه ورماه خارج الديار، لأنه يعتقد أن الرئيس كان يعمل لتلبية مصلحة دول أخرى، ولم تستقبله تلك الدول في اللحظة الحرجة، لأنها أدركت أن الشعب التونسي خلعه، فهو بين أمرين أحلاهما مر، وفعلا فهم الرئيس ولكن فهمه جاء متأخرا، هي دروس يجب أن نقف عندها طويلا كحكام ومحكومين، فليعلم الحكام أنهم خدم لشعب يختاره لتحقيق مصالحه فقط لا غير، ويجب أن يعلم الشعب أنه الحارس الأمين لأداء حكامه حسب الشروط بين الطرفين.شرارة تونس هي الصعقة الكهربائية التي غيرت المعادلة كلها، فكانت سرعة توصيل الحريق شبه معجزة، وسرعان ما بدأت التظاهرات في جميع الأقطار سلمية، فكانت رموز كل نظام عربي تكرر جملة واحدة: " إن بلادنا ليست مثل تونس" قالها الرؤساء تباعا، ولم يجد الشعب التونسي أية تهنئة من الرؤساء والملوك في الوقت المناسب، لأن كلمة تونس رعب لا يمكن سماعه.أما الثورة في مصر فكان لها دوي اهتز لها العالم بقوته من أدناه إلى أقصاه، فمن ناحية لم يكن متوقعا أبدا اندلاعها، ومن الناحية الأخرى فإن مصر وموقعها ودورها ومركزيتها إقليميا ودوليا يفرض على العالم هذا التجاوب المدهش، ثورة ليست كالثورات، وميدان يختلف عن بقية الميادين، وشعب أثبت كفاءة عالية وقدرة على قيادة وتنظيم الملايين حتى استطاع إسقاط النظام وتحقيق حلم طال انتظاره، وبهذا أصبحت الشعوب العربية في قناعة تامة بقدرتها على تغيير الأنظمة والتربع على عرش الحرية، مدركة أن عرش الحرية يكلف الشعوب ثمنا باهظا، ولكن فقدان الحرية بالتأكيد هو أكثر تكلفة في المحصلة النهائية، فليبيا واليمن وسوريا في مقدمة الدول المرشحة للتغيير الجذري مع تفاوت في ثمن التلكلفة والضحايا البريئة.خامسا: تحقيق بعض الاصلاحات المهمة في بقية الأقطار.حققت الثورة الشعبية نوعا من الاصلاحات الهامة في عدد من الدول العربية ذات الأنظمة الملكية التقليدية مثل: المغرب والأردن وسلطنة عمان والبحرين والسعودية والإمارات العربية، ويعني ذلك أن الدول العربية رحبت بمطالب الثورة العربية بصورة علنية لامتصاص غضب الشعوب من خلال تحسين الأوضاع المعيشية وتطوير الدساتير وتقديم وعود سخية إلى الشعوب، وذهبت بعض الدول إلى التوجه نحو الملكية الدستورية وتحويل جزء من مسؤولية الملك إلى الحكومة، ولعلها تكون بداية سليمة لتوسيع قاعدة الحكم الى حد ما. ما هي التحديات التي تواجهها الثورة؟خلق بيئة تنافسية تقودها الشراكة وقبول الآخرمحليا وعالميا.إن القوة الساعية لصناعة مشروع التغيير هي المجتمع العربي بكل أطيافه وأيدلوجياته المتباعدة، وطوائفه المتنوعة، وأديانه المختلفة، ولكون المجتمع العربي غير متعود على تداول السلطة في الحياة السياسية إلا عن طريق القهر المتمثل بموت الحكام أو الانقلابات العسكرية فإن ترسّخ هذا السلوك والتحاكم إلى الصناديق الانتخابية وقبول نتائجها نفسيا وواقعيا يبدو تحديا حضاريا خطيرا، وهذا هو الامتحان الحقيقي للثورة، وهوالأمر الذي يراهن بفشله الأعداء ويتوجس المحبون منه خيفة، لأن الثورة قفزت على تراكمات الأوضاع العربية المأساوية، وتحاول فرض واقع جديد بدون مقدمات ولا تمهيد، وأحيت آمالا عريضة في النفوس، وخلقت ثقة لدى الفرد والجماعة، وذاقت الشعوب بفضلها حلاوة طعم الحرية، كل هذه الأمور رفعت سقف التوقعات في الاصلاحات الجذرية، والتحدي هنا يكمن في المبالغات حول سرعة إنجاز وعود الثورة وتقديم الحلول الناجحة للمشاكل المتراكمة، وهو أمر يجب أخذ الحيطة منه والحذر حتى لا يحدث ما يعكر صفو المسيرة التغييرية.إن المجتمع العربي مشتت في توجهاته السياسية من الناحية النظرية، هناك تيارات علمانية فيه تتبنى الديموقراطية ومتاثرة بمظاهر الحياة الغربية وتنادي بفصل الدين عن الدولة، وهناك تيارات اسلامية ترفع لواء الاسلام وترفض العلمانية، وهناك الجمهور الذي لا تهمه الأفكار كثيرا والأيدلوجيات المتصارعة، بل ما زال يبحث عما يسد رمقه ويبقيه على قيد الحياة، بالإضافة إلى ذلك فإن هناك نوعا آخرمن التشتت وهو الطائفية، وهو واقع ملموس في الساحة، والطائفية حاضرة بقوة في معظم الأوطان العربية، أضف إلى ذالك التشتت الذي تمثله العشائرية، كل هذه العوامل لها انعكاساتها السلبية على البنيان السياسي، ونجاح الثورة مرهون إلى حد كبير بالقدرة على تذليل هذه العقبات، وتأصيل الشراكة العملية وحقوق المواطنة وقبول الرأي الآخر والفكر المخالف مهما تباعدت أضلاع الزاوية.فإذا كان نجاح الثورة مرتبط بمدى قبول بعضنا البعض الآخر ودفن التعصب البغيض بيننا، والتخفف من سجن الأنانية والسذاجة السياسية، فإن تغيير ذهنية المجتمعات الأخرى تجاهنا لأمر يحتاج منا إلى بناء جسور قوية تمكن القوى الدولية من العبور إلى ضفتنا بثقة وأمان، وأعني هنا أن نثبت للعالم أننا تغيرنا وفرغنا من البناء الداخلي، وجادون في البحث عن القوى الدولية والإقليمية التي نبني معها المصالح المشتركة.فإذا كان الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية يتعامل مع الأنظمة العربية بقدر كبير من التسامح مع ما اشتهرت به من الاستبداد وقمع الحريات وممارسة التعذيب وقتل السجناء ومنع الأحزاب وتزوير الانتخابات واحتكار وسائل الاعلام والفساد المالي، وهي ممارسات تتنافى مع ما تدعو إليه المناهج الديموقراطية وتطبيقاتها العملية فإن المسؤولية في تغيير ذلك النمط العلاقاتي بين الأمة العربية وبين غيرها تقع حصراعلى عاتق الدول والشعوب العربية وحدها ووحدها فقط، لأنه لا يوجد من يتفرغ لإصلاح شؤون الآخرين لا عقلا ولا شرعا، إن العالم يكافح من أجل تحقيق مصالحه بأقل تكلفة ممكنة، فلنكن مثل غيرنا، فالعلاقات الدولية تحكمها المصالح المبنية على التنافس والقدرة على ممارسة اللعبة السياسية.فإذا أثبتت الثورة للعالم جدية التغيير فإن الجميع سيتعامل مع العالم العربي بكل احترام وتقدير، وهو ما افتقده العرب منذ عقود طويلة، حتى أصبحوا تبعا للآخرين سياسيا واقتصاديا وثقافيا، ولم يكن أحد يكترث بهم فيما بعد في الساحة الدولية. إن بناء علاقات ناجحة ومتوازنة بيننا وبين المجتمع العالمي مشروط بإعادة تقويم الاعوجاج الذي شل فاعليتنا ودمر أساس الكرامة الانسانية، ألا وهي الحرية..والتي تقابلها العبودية.." متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" قالها الفاروق تعقيبا على لطمة واحدة ضد شاب من أهل مصر واعتبرها فقدانا للحرية الكاملة.التحدي الاقتصادي:الدول العربية في مجملها تعاني من أزمات اقتصادية حادة، والبطالة والأمية والأمراض تفتك بأبناءها، بل وصف تقرير التنمية للأمم المتحدة العالم العربي بأنه من أكثر دول العالم تخلفا.فكيف تعالج الثورة هذا التخلف؟ علما بأن التغيرات الاقتصادية تتطلب وقتا زمنيا طويلا، وليس أمرا يحدث بين عشية وضحاها، فهل الشارع الثوري المتظاهر يستطيع الصبر والثبات على دروب التحولات الاقتصادية؟قدرة التعامل مع الملفات السياسية الإقليمية والدولية.عندما ننظر لتلك العلاقات القائمة بين الدول العربية وسائر دول العالم فإننا نرى أنها لم تكن تتبع سياسة ممنهجة ومقننة أصلا، بل كانت تابعة لتوجهات السياسة الدولية التي تضعها القوى العظمى حسب مصالحها ورؤيتها الاستراتيجية، ونتيجة لهذا الواقع فإن العلاقات بين الطرفين لم تكن متوازنة، هي علاقة التابع بالمتبوع، علاقة الضعيف بالقوي، وعلاقة المنتج بالمستهلك، والذي يساند هذا التوجه هو ضعف البنية الاقتصادية لهذه الدول النامية، وغياب الديموقراطية والتداول السلمي للسلطة.وأية حكومة عربية تتولى السلطة عبر الثورة الشعبية ستواجه تحديات ضخمة، منها: الوفاء بالاتفاقيات والتعهدات والمواثيق الدولية من ناحية، وضرورة إحداث تغيرات استراتيجية تلبي ومتطلبات المرحلة من الناحية التنموية، الأمر الذي يضمن استمرارية الرغبة الشعبية الجارفة في التغيير الإيجابي.الثورة العربية والمجـتمع الصومالي- التأثر والـتأثيرخاض مجتمعنا الصومالي تجربة إسقاط النظام الحاكم منذ الربع الأخير من القرن المنصرم، وتوجت التجربة بخروج الرئيس محمد سياد بري من القصرالرئاسي عام 1991، بعد أن دفع الصوماليون ثمنا باهضا من الدماء والأموال، ورغم أنهم نجحوا في تحقيق مسعاهم آنذاك إلا أن تداعيات إسقاط النظام لم تكن أبدا بلون البنفسج!خسرنا وحدة الدولة الصومالية والتماسك الإجتماعي، وتعرض اقتصاد الوطن لانهيار رهيب، كما تعرضت بلادنا لتدخل أجنبي عسكري مباشر، وهاجرت أعداد هائلة من المواطنين خارج البلاد، إضافة إلى النازحين داخلها، ومنذ ذالك التاريخ وحتى اللحظة والتداعيات في حالة استمرار وتوالد لا تتوقف، ولم ننجح حتى اللحظة في إعادة ترتيب البيت الصومالي بصورة تكفل الحياة الكريمة لشعبنا المنهك.هذه تجربتنا وكفاحنا لاسقاط الحكم في الصومال، وبعد واحد وعشرين عاما من انهيار الدولة الصومالية نشاهد ثورة عربية تسعى إلى إسقاط أنظمة الحكم على كامل التراب العربي، بدون استثناء، فماذا نتعلم من هذه التجربة؟برأيي إننا قادرون على تعلم الكثير منها، فعلاقة التأثير والتأثر بين الصومال وبقية المجتمع العربي قائمة، وهي جدلية تستحق الدراسة والعناية بسبب ما بيننا من وشائج القربى والحدود المشتركة والتبادل الاقتصادي والمصالح والتاريخ المشترك والثقافة والدين.حتما إن المتتبع للمسارات المتقاربة للثورة العربية سيقف على العوامل التي وحدت نجاحها وعلى رأس تلك العوامل: التركيز على القضايا المصيرية، لا الهامشية. وعلى ما يوحد أفراد الأمة، لا ما يفرقهم.وعلى توحيد كافة قدرات وكفاءات الأمة، بعيدا عن التشتت والتفرقة وتبديد الطاقات.
بجانب ذلك، اختفت فلسفات كانت متأصلة في المجتمع العربي، مثل: العنف والعنف المضاد، والتي كان يرفع ألويتها بعض الحركات الإسلامية واليسارية، كسلاح فعال ضد الحكام، كما اختفت الشعارات الطائفية والحزبية والمذهبية والقبلية.وأجمل شئ لوحظ في الثورة المصرية، نقل الأسلحة التي وقعت في أيدي الثوار إلى الجيش بعد أن سيطروا على بعض المراكز الأمنية، علما بأن من قتلوا في الإحصائيات الأخيرة أكثر من ألف شخص !وأكثر إدهاشا من ذلك اختفاء "الجنبية" اليمنية، والتي هي زينة الرجال في اليمن عن ساحات التغيير ! كما أن كافة الأسلحة اختفت من تجمعات المتظاهرين اليمنيين، علما بأن المجتمع اليمني مجتمع مسلح!إنه مسلك جديد قطع الطريق بحزم أمام التيارات العنفية في الساحة العربية، وأفقد الحكام فزاعتهم المفضلة لتبرير قمع شعوبهم، وقضى على البعبع الذي كانوا يخوفون به الغرب والشرق.فعلى الثورة العربية أن تحافظ على الحرية التي انتزعتها بجدراة واستحقاق وحكمة، وعلينا نحن الصوماليين أن نقف عند هذه الثورة طويلا، حتى نصحح ما اعوجّ من أمرنا، وتصل قافلتنا إلى أعماق التغيير المنشود. حقا إن الشعوب أبقى من حكامها!!
جهد كبير لمتابعة أحوال العالم الإسلامي ...ينم عن مسئولية الكاتب ومدى الهموم الثقيلة التي يحملها لإزاحة كابوس التخلف عن بلدان المسلمين، والاضطلاع بمسئوليتنا الراهنة تجاه الإصلاح والتغيير نحو الأحسن.
إنه سؤال التغيير ! السؤال الذي يشغل بال كل غيور ، ولكن هل نحن متفقون على أن الثورة هي أقصر الطرق لتحقيق الإصلاح الحقيقي أم أن الثورة مؤشر لوجود أزمة حقوقية وأزمة ثقة .. وأزمة ظلم في العالم العربي الذي شهد الثورات .. كلام يطول ... ولكن المهم أن يبقى المسلم في خط الجهاد والمجاهدة والمعركة مع الباطل والصراع مع أعوانه ، وأن لا يرضخ للطغيان .
الأحداث الجارية في الوطن العربي غريبة حقا ربما لا اتفق مع الدكتور الصومالي في بعض جوانب القضية،
1: الثورة العربية ليست سلمية في كليتها كما ذكر الدكتور على في مقاله المحترم فهناك قتال مسلح في ليبيا وسوريا واليمن الى حدما،
2:اشار المقال الى أن إحداث التغيير في كافة الوطن العربي، وأنا أعتقد أن بعض الدول مثل سلطنةعمان واللمملكة العربية السعودية والبحرين لا يشمل هذا التغييركثيرا.
3:يميل الدكتور الى أن الشعوب محقة دائما وأن الحكام هم الظالمون ولم يوضح كيف ذلك ؟
4:هناك مؤشرات قوية في أن الثورة في الشارع العربي ربما ليست بريئة كما يظهر في الوهلة الأولى ، فإقامة الصلوات والقداس المشترك بين المسلمين والمسيحيين في الميادين العامة تشوه صورة الاسلام وهو تنازل لصالح المسحيين، وهو أمر لا مبرر له اطلاقا، ويشتد الأمر عندما يكون بعض الاسلاميين يساندون هذا الأمر.
ومع هذه الملاحظات الطفيفة فإن المقال عميق في تحليلاته وتأملاته الرائة كما أن لغته رصينة وقوية وهي نظرة شاملة للقضية
وأيا كانت نقاط الاتفاق أو الاختلاف فإن هذا لا يغير من قوة المقال شيئا.
شكرا لسعادة الأستاذ الدكتور علي الشيخ أحمد
شكراا للدكتور المفكر الصومالي علي ابوبكر ، وجزاه الله خيراا كثيراَ مما قدم ويقدم لأبناء الشعب الصومالي المنكوب، وينير لهم دربهم تجاه القضايا المعاصرة. اما المقال فعلا يستحق الاستفادة منه مما يحوي من معلومات واسلوب الأكاديمي التحليلي الموضوعي الذي إستخدمه الدكتور. شكر شكرا شكرا
المهندس والأستاد الجامعي/مختار هارون عثمان- المقيم في صنعاء اليمن
شكرا للدكتور االجليل على هذا المقال الجميل. والشكر كذللك موصول للشبكة الصومال اليوم على ما تقدمه من خدمة جليلة.
لقد قرات للكاتب كتابه الرائع قبل سبع سنوات " الصومال وجذورالمأساه" واستفدت منه كثيرا. حبذا لو اعد كتابته واضاف اليه الأ حداث التى جرت فى الصومال بعد كتابته.
شكر لك دكتور علي وفعلا وضعت النقاط فوق الحروف وادركت الكثير من معاني الثورة العربية ويجدر بنا كشعب صومالي تعود الفوضى والتخريب أن نحذو حذو إخواننا العرب ولا زال الوقت عندنا كثيرا فلم تفت منا الفرصة يمكن أن نصنع التغيير الأحسن بيدنا فهذه العام هو عام التغيير في منطقتنا العربية ولعل الله يوفقنا ويرشدنا أن نقوم بثورة سلمية وثورة بناء وتقدم لبلدناالمنكوب وإن شاء الله يتغير وضعنا إلى الأحسن
اشكرك يا طويل العمر وياسعادة دكتور على ما افدنا من الثوره العربيه والتاثير لمجتمعنا الصومالي وجزاك الله على ماكتبت.
اتمنى ان تكون ويانا في الفردوس الاعلى
يعطيك العافية.
شكرا لك يا دكتور علي، فأنت دائما تسهر ونهتم شؤون العالم الإسلامي والعربي وعلي تنوير الأمة إلي الطريق الصواب وتوجيها للإستفادة علي ما حدث في الماضي واستعداد المستقبل. شكرا لك وجزاك الله علي ما كتبت.
جزاك الله خيرا يااستادنا الجليل, قراته قراءة تذكرني قول الله(لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد(.....
فا شكركك علي جميع مجهوداتك النافعة للامةالاسلامية, دائما السمو لقول الله(كل حزب بما لديهم فرحون...( والله اعلم.
اخوكم ابوبكر مختار, طالب علم, حاليا في حالة تجمد اداري.
اهنىء الدكتور على هدا المقال الجميل الرائع من راجل هو نفسه رائع كثر الله امثاله لينهضوا بالامة من المستنقع التى دامت فيه
لا شك أن الدكتور أبدى نفسا طويلا وتحليلا عميقا لثورات شعوب العرب. ولكن هذا التحليل والتوجيه الرشيد عندما وصل مشكلة الصومال تغير إلى إطلالة سريعة وتعميمات من نوع ملء الفراغ على كل حال.أشكر الدكتور وأود لو تعمق في بحث الحلول لمأساة الصومال.
|
تعليقات حول الموضوع
لقد استمعت كثيرا بهذه الكتابة بما فيها من العمق والتتحليل واللغة العلمية, وإن كنت ممن يرمقون إلى تلك الثورات وأوراقها الخفية بعين حذرة.
أقول لا بد للثورات العربية وهي تشق طريقها أن تضع في حساباتها أن العودة إلى ينابيع الشريعة الإسلامية هو الحل, فالمسألة بينة وواضحة, لأن القرآن الكريم يوقفنا على قصة أكبر حكومة دكتاتورية زعم رئيسها بأنه الرب الأعلى ( أنا ربكم الأعلى) ( ما علمت لكم من إله غيري) وكيف نصر الله عباده المستضعفين تحت قيادته نبيه موسى عليه االسلام ( وأزلفنا ثم الآخرين , وأنجينا موسى ومن معه أجمعين , ثم أغرقنا الآخرين, إن في لك لآية...) . ولكنهم كفروا بأنعم الله وجعلوا شكر النعمة الكفران (قالوا يا موسى اجعلنا إلها كما لهم آلهة ..) ( قالوا اذهب أنت وربك فقاتلا إننا ههنا قاعدون) , فكان الجزاء من جنس العمل, لأن الله تعالى لا يطلم الناس مثقال ذرة, فإذا لم تحذر الثورات العربية عن مغبة الكفران, وقالوا مثل بني إسرائيل ( اجعلنا إلها كما لهم آلهة)-وآلآلهة هنا الديمقراطية والجاهلية , فالنتائج واضحة.
وفعلا تخطت الشعوب العربية حاجز الخوف وضربت اروع الأمثلة على الصمود السلمي.
لقد شاهدنا تصرفات الشعوب وحرصها على سلامة الممتلكات.
وإنني كمواطن صومالي وجدت الأمل في هذه الثورة لأنها برهنت على بطلان ادلة هولاء الجبناء الذين يسفكون الدماء الأبرياء بحجة أن العنف هو الوسيلة الوحيدة لإسقاط الجبابرة المستبدين.
وكم أنا سعيد بقدرة الشعوب على تحرير الشعوب بدون المتفجرات ووابادة الأبرياء.
المقال تناول الموضوع باسهاب وتحليل منطقي وانا اشكر صاحب المقال بالجهد الذي بذله فيه ويجب على الشعب الصومالي ان يستفيد من أمثال هذه المقالات لدراسة اوضاعه وتغيير وضعه البائس