ترتيب الأولويات في المشروع الإسلامي في الصومال " رؤية تأصيلية شرعية " الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .وبعد : فهذه وريقات متواضعة ، وهي في أصلها جزء يسير من ورقة عمل بحثية أراد الكاتب أن يُقدمها إلى المؤتمر المعنون : (( مؤتمر علماء الأمة الإسلامية ودورهم في إنقاذ الصومال )) تحت رعاية الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، وقد تمَّ تأجيل موعد المؤتمر مرات عديدة .هذا وقد تاقت نفسي إلى تلخيص الجزء المتعلق بأولويات تطبيق الشريعة والواقع الصومالي وتقديمه لشتى شرائح مجتمعنا من أجل تعميم الفائدة ، والله أسأل أن يُجنب بلدنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يكشف عنا الغمة ، وأن ننعم بالاستقرار والأمن والعيش الكريم كبقية شعوب العالم ، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل .لماذا نهتم بالأولويات ؟ الإجابة على هذا السؤال يمكن إيجازها في النقاط التالية :أولاً : لأنَّ ترتيب الأولويات والبدء بالأهم فالأهم هو منهج الإسلام ومطلب شرعي في الإصلاح والتغيير وبناء الأفراد والمجتمعات .ألا ترى أنَّ شريعتنا تُقدم أمورَ العقائد على غيرها من أمور العبادات والأخلاق ، ويًقدَّم الفروض والواجبات على المندوبات والنوافل ، وتُقدَّم المصالح العامة على المصالح الخاصة عند التعارض ، ونهتم بالضروريات قبل الحاجيات ، وبالحاجيات قبل التحسينيات ... وهكذا الأهم فالأهم .ثانياً : الاقتداء برسول الله e ، فهو لم يكلف الناس فجأةً بالدين كله ، وإنما بدأ بالأهم فالأهم حسب ترتيب الأولويات ، وبين أيدينا في سيرته وفي سنته الشريفة نماذج تطبيقية تدلنا على ذلك .ثالثاً : ترتيب الأولويات سنَّة ربَّانية موافقة للفطرة الصحيحة السوية ، وتقبلها النفوس السليمة والعقول الراجحة .يقول المفكر الإسلامي الشهير أبو الأعلى المودودي (ت1399هـ) : (( لا ينبغي أن نُغفل قاعدة تُدرك بالفطرة ، وهي أنَّه لا يحدث تغيير في الحياة الاجتماعية إلا بترتيب الأولويات والتدرج ))([1]).رابعاً : الواقع التاريخي والواقع المشاهد يدلان على أنَّ المشاريع الناجحة هي التي اتبع فيها سياسة ترتيب الأولويات ، أما سياسة الاستعجال والمغامرات الطائشة لتحقيق مآرب معينة ، والاندفاعات والقفزَات السريعة ، وحرق المراحل وخلط الأوراق ، فهي وبال على المجتمع وتراجع إلى الوراء .خامساً : إنَّ معرفة الأولويات تُعتبر الركن الأعظم والأهم في تدبير السياسة الشرعية ، حيث إنَّ أوجب الواجبات على القائم بأمر السياسة الشرعية أن يكون على درجة عالية من الاجتهاد ؛ ليحسن اختيار أولوياته ، وهنا وضع أهل العلم قاعدتهم الفقهية المشهورة : تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة ([2]).سادساً : إنَّ عدم ترتيب الأولويات كثيراً ما يؤدي إلى خلل في فهم النصوص الشرعية ، وفي قراءة الواقع وتنزيل الأحكام الشرعية عليه ، انظروا إلى هؤلاء الذين استباحوا دماء الأبرياء ويستفتون ببعض المسائل الجزئية ، هل يجوز للدولة الإسلامية أن يكون لها علمٌ خاص ينبئ بشعارها الوطني أم لا ؟ وهل كانت رايات رسول الله e في الغزوات راياتٍ سوداء أم بيضاء ؟فحالهم مثل حال هؤلاء الذين جاءوا إلى ابن عمر وسألوه عن دم البعوض ، وقتل المُحرم للذباب ، فقال لهم من أين أنتم ؟ قالوا : من أهل العراق ، فقال ابن عمر : انظروا إلى هؤلاء يسألون عن دم البعوض والذباب ، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله e ([3]).قال الحافظ ابن حجر (ت852هـ) في تعليقه على القصة في كتابه الفذ " فتح البارئ بشرح صحيح الإمام البخاري " : (( أورد ابن عمر هذا متعجباً من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير ، وتفريطهم في الشيء الجليل )) ([4]). المشروع الإسلامي في الصومال خلفية موجزة قبل أن نشرع في الحديث عن تطبيق الشريعة الإسلامية في الصومال وأولوياتها أرى من اللازم أن أشير إشارةً مقتضبة إلى أنَّ أصحاب المشروع الإسلامي في الصومال كانوا مهمشين ومغيبين عن الحياة السياسية في البلد تماماً ، ففي فترة الستينيات بالتاريخ الميلادي وإبان الحكم المدني في الصومال تم التصويت في داخل البرلمان أن تكون مواد الدستور الصومالي موافقةً للشريعة الإسلامية أم لا ؟ فرفض جميع النواب شرط إلزام الشريعة إلا رجلاً واحداً يشهد له التاريخ بمواقفه .وعندما جاء الانقلاب العسكري عام 1969م ( 1389هـ) بقيادة محمد زياد بري دخل البلد في عهد جديد في محاربة مظاهر التدين شكلاً ومضمونا ، وبذل هذا النظام جهودا كبيرة لمسخ هوية المجتمع الصومالي ، وانتزاعه من جذوره الإسلامية ، فطبق على هذا البلد المسلم ما سمِّي آنذاك بالاشتراكية العلمية – وبئس هذا العلم المزعوم - .وبعد إسقاط حكومة زياد بري عام 1991م عن طريق الجبهات المعارضة للنظام والثورات الشعبية دخل البلد في عالم أمراء الحرب والفوضى الخلاقة .واقتضت حكمة الله البالغة بعد ذلك أن تكون الساحة السياسية خاليةً للإسلاميين ، وأن يكونوا هم اللاعبين الرئيسيين في مقابل حكومة هشة كانت محصورة في مدينة اسمها ( بيدوا ) عند الحدود الإثيوبية .ولكنَّ السؤال الجدير بالإجابة هو : هل كانوا بمستوى الحدث أم أنَّ هذا الأمر وقع بمحض المفاجأة والمعجزة الخارقة ؟ طبعاً الجواب هو الأخير باعترافات أصحاب المشروع .ومع توالي الأحداث وتتابعها صار الإسلاميون في الصومال مرة أخرى هم الحكومة والمعارضة في آن واحد ، فقد رفع الجميع راية تطبيق الشريعة الإسلامية ، ولأول مرة في تاريخ الصومال يوافق البرلمان الصومالي يوم السبت 19 أبريل 2009م قرار تطبيق الشريعة الإسلامية بالإجماع .وبدل أن يكون هناك تقارب وتفاهم إثر هذا القرار بين أصدقاء أمس ورفقاء الدرب ، فقد دخل المشهد السياسي الصومالي في نفق مظلم حيث غابت لغة الحوار بين تلك الأطراف المتصارعة ، وبدأت لغة استخدام السلاح ، والحكم بالردَّة والكفر عند البعض ، والوصف بالخوارج والإرهابيين الدوليين لدى الطرف الآخر .ولا يخفى على المتابعين للشأن الصومالي أنَّ تلك الأطراف لم تكن هذه المرَّة اللاعبين الرئيسيين ، بل قد ظهروا على الشاشة فحسب ، وكأنهم أحجار على رقعة الشطرنج ، أما اللاعبون الرئيسيون فكانوا أطرافاً متناقضة ، أرادوا أن يصفوا حساباتهم على الساحة الصومالية ، ونفذوها بجدارة واقتدار وبتقدير امتياز ، فهل يعي الصوماليون هذه الحقيقة المُرَّة ؟ تلك خلفية موجزة أراها ضرورية بين يدي حديثنا عن أولويات تطبيق الشريعة الإسلامية في الصومال ليفهم القارئ تداعيات هذا الملف ومعطياته . ترتيب الأولويات في مجال تطبيق الشريعة الإسلامية في الصومال إذا أردنا تطبيق فقه الأولويات الشرعية على الواقع الصومالي فهناك عدة أمور تيسر أمر تطبيق الشريعة ، وتهيئ الأجواء ، من أبرزها :أولاً : إيجاد السلطة الشرعية التي ترعى تطبيق الشريعة وإعادة الاستقرار إلى البلد ، فذلك أولى الأولويات وأهمُّ المهمات ، فغياب تلك السلطة هو رأس المصيبة في بلدنا .لا أمن ولا استقرار ولا معاش للناس في دينهم ودنياهم دون سلطة شرعية .ومن الأصول المقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة أنَّ الإمام ( الولي ، الرئيس ، الملك ، الأمير ) وضع لحراسة الدين وسياسة الدنيا .يقول ابن جماعة (733هـ) في كتابه " تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام " – وهو كتاب جدير بأن يقرأه أصحاب المشروع الإسلامي ليفهموا طريقة شؤون إدارة الدولة - : (( ويجب نصب إمام يقوم بحراسة الدين ، وسياسة أمور المسلمين ، وكف أيدي المعتدين ، وإنصاف المظلومين من الظالمين ، ويأخذ الحقوقَ من مواقعها ، ويضعها جمعاً وصرفاً في مواضعها ، فإنَّ بذلك صلاح البلاد وأمن العباد ، وقطع مواد الفساد ؛ لأنَّ الخلق لا تصلح أحوالُهم إلا بسلطان يقوم بسياستهم ، ويتجرد لحراستهم ، ولذلك قال بعض الحكماء : جور السلطان أربعين سنةً خير من رعية مُهملة ساعة واحدة )) ([5]).وأذكر بهذه المناسبة – أعني إيجاد الإمام الشرعي- أنَّ أحد الدعاة البارزين في الصومال ألقى محاضرةً في أوجِّ أيام فتنة القتال القبلي بين الصوماليين – في بداية التسعينيات – ، ولم يكن في البلد آنذاك أي نظام ، بل الفوضى والقتال القبلي هما سيدا الموقف ، وكانت المحاضرة تحت عنوان : (( طاعة ولي الأمر : مفاهيم وضوابط )) ، فقاطعه أحد الحاضرين قائلاً : فضيلة الشيخ خطابك ومحاضرتك في واد ، وواقع البلد في واد آخر ، أنت تتحدث عن النصوص الشرعية الدالة على طاعة ولي الأمر ، فأين ولي الأمر في بلدنا ؟ فحبذا – والكلام للمقاطع - لو كان عنوان المحاضرة : إيجاد ولي الأمر وضرورته في الحياة .وأحسب أن ذلك المحاضر قد ألقى ذلك الموضوع بحسن نية، ولكنَّه أغفل فقه الأولويات ، وفقه الواقع ، وحكمة الدعوة معاً .ثانياً : من الأولويات المهمة في مجال تطبيق الشريعة الإسلامية في الصومال الحرص على توحيد الصف ، وتنسيق الجهود بين أبناء المشروع الإسلامي ، وفتح قنوات الحوار المخلص الجاد تحت إشراف علماء ربانيين من أهل الحل والعقد .ليس الوقت يا علماء الصومال وأيها الدعاة وقت تحقيق المكاسب الحزبية أو الشخصية المادية ، وليس الوقت وقت انتصار الفصيل الفلاني على الفصيل الفلاني .ولا يمكن لفصائل متعددة ، مختلفة الأفكار والتوجهات ، بل تستبيح دم مخالفها أن تطبق شرع الله ؟إننا بحاجة إلى حقن دماء هؤلاء جميعاً ، وإبعاد شريعة الله من أجواء القتال العبثي والعنف المستشري، وليت هؤلاء تأملوا كلام العالم الرباني والداعية الشهير الشيخ أبي الحسن الندوي (ت1420هـ)– رحمه الله -، فمن نفائس حكمه : (( ما أضرَّ بالعمل الإسلامي من شيء مثلُ ما أضرَّ بها " الأنا " الفردية ، و " الأنا " الجماعية )) . وكثيرا ما كان يذكر أستاذنا الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني في دروسه ومجالسه آفة التعصب الأعمى وجنايته على المشروع الإسلامي ، ومن القصص الطريفة التي كان يذكرها أنَّه سئل أحدُ الدعاة مرة : ما رأيك لو انتصر الإسلام في بلدك على يد تلك الجماعة – والجماعة غير جماعته طبعاً – ألا يتحقق مقصدك وتكون راضياً ؟ فكان جوابه : لا ، وعلَّل رفضه بأنَّه لا يرى تطبيق الإسلام تطبيقاً صحيحاً إلا على يد جماعته .هذا التفكير وأمثاله عائق من عوائق مشروع تطبيق الشريعة ، ولهذا فهم بحاجة إلى وعي بأهمية وحدة العمل الإسلامي مهما اختلفت الرؤى والتوجهات .ثالثاً : من الأولويات المهمة أيضاً في هذا المجال وضع خطة متكاملة لرسم السياسة التعليمية والإعلامية والاقتصادية والاجتماعية في بلدنا .ففي التعليم نسعى إلى صياغة العملية التعليمية بكاملها وفق أسس إسلامية بداءً من روضة الأطفال إلى الجامعة ، وفي الإعلام – وهو السلطة الرابعة في عصرنا - نحتاج إلى نظام إعلامي إسلامي هادف ، له رؤيته ورسالته ، وفي قضايا الاقتصاد نَدعَم المؤسسات الاقتصادية الإسلامية القائمة على أرض الوطن ، ونقترح بدائل شرعية فيما فيه مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية .وهكذا في الأمور الاجتماعية – وما أحوج شعبنا المشرد إلى هذا الأمر - ، تُرى كيف سيكون شعوره وتعاطفه مع المشروع الإسلامي حينما نؤسس مؤسساتٍ للرعاية الاجتماعية ، ونبني لهم :دُوراً للأيتام .دورا للمعاقين.مستشفيات ومستوصفات .
هذه الأمور هي الجزء الأكبر من مشروع تطبيق الشريعة وتنظيم شؤون الدولة الإسلامية ، ونحن نغفل عنها – مع الأسف الشديد - ، ويظن بعضنا أنه لن يكون هناك تطبيق للشريعة إلا في باب العقوبات والحدود ، فاختزلنا مفهوم الشريعة الواسع في هذا المجال . وأذكر بهذه المناسبة – أعني وضع الخطط والاستراتيجيات – أن أحد قيادات المحاكم الإسلامية – ويتولى حالياً منصبا رفيع المستوى في الحكومة الانتقالية - سئل في تلك الأيام عبر قناة الجزيرة ، وبالتحديد برنامج بلا حدود الذي يديره الصحفي المشهور أحمد منصور : هل لدى المحاكم الإسلامية خطة لبناء دولة صومالية ذات قاعدة شعبية ؟فكان جواب ذلك المسئول : ليس لدينا خطة مكتوبة ، ولكننا على علم برغبة شعبنا ، فهم يتشاورون ، وعندهم لقاءات على طريقة أربعين بيتاً من اليمين وأربعين بيتاً من اليسار. انتهى كلامه .ما علاقة أربعين بيتاً من اليمين أو اليسار بأسس إدارة الدولة ؟ هل نحن بصدد الحديث عن حقوق الجار في الإسلام ؟ولست هنا في مقام تقييم تجربة المحاكم .رابعاً : ومن الأولويات أيضاً أن نتدرج في التطبيق إذا اقتضى الأمر ذلك ؛ لأنَّ التطبيق الجزئي طريقنا إلى التطبيق الكلي ، فالتدرج وسيلةٌ وليس غاية ، نستخدمها خشية وقوع السرعة والتهور والقفز المباشر دفعةً واحدة مما يؤدي إلى فشل المشروع .وهنا نجد في واقع بلدنا طائفتين شوَّهتا صورة التدرج في التطبيق :الطائفة الأولى : ترفض ما يسمَّى بالتدرج ، ولا تُفرق بين نوعي التدرج : التدرج التشريعي والتدرج في تطبيق الأحكام ، فهم يقولون : كيف يمكن أن نتدرج في تطبيق الشريعة ، وقد كمل الدين وتمَّ ؟ ألم يكن التدرجُ خاصاً في عهد رسول الله e وقد كان الوحي ينزل ؟وهكذا يبدو من مقولاتهم أنَّ منشأ الشبهة عندهم هو عدم تفريهم بين نوعي التدرج .نعم إنَّ التدرج في التشريع قد انتهى وانقطع بانقطاع الوحي ، أما النوع الآخر - وهو التدرج التطبيقي – فهو باق مع حياة الناس لبقاء سببه ، فالبشر هم البشر في كل عصر ، متفاوتون في التمسك بالدين ، وفي معرفة أحكام الشريعة ومزاياها ، بل بعضهم لا يعرف من الإسلام إلا اسمه وانتسابه لهذا الدين ، فمن الحكمة أن يوضع لأمثال هؤلاء مراحل زمنية متدرجة لنأخذ بأيديهم نحو تطبيق الشريعة خطوةً فخطوة . وتأمل نصنيف الله للناس في قوله (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومن مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) [فاطر: ٣٢] .وللشيخ القرضاوي – حفظه الله – كلام نفيس في أهمية اتباع سياسة التدرج التطبيقي في البلاد الإسلامية يقول فيها : (( هذه السنة الإلهية في رعاية التدرج ينبغي أن تُتبع في سياسة الناس عند ما يراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة بعد عصر الغزو الثقافي والتشريعي والاجتماعي للحياة الإسلامية ... فإذا أردنا أن نقيم مجتمعاً إسلاميا حقيقيا ، فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجرَّة قلم ، أو بقرار يصدر من ملك ، أو رئيس ، أو مجلس قيادة ، أو برلمان ، إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج ، أعني : بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية ، وإيجاد البدائل الشرعية للأوضاع المحرمة التي قامت عليها مؤسسات عدة لأزمنة طويلة )) ([6]).أما الطائفة الثانية : فهي تستغل بهذا المصطلح لأهدافها الخفية ، وتستخدمه كبطاقة سياسية أمام ضغط الواقع الشعبي في البلد ، إنَّها تتلاعب بعواطف الناس وتخدر عقولهم ، وهي غير مستعدة أصلاً لتطبيق شرع الله .ولدي بعض التصريحات لأقطاب هذه الطائفة ، وسأكتفي منها بمثال واحد ؛ لأنَّ المقام ليس مقام تفصيل هذه الأمور.عندما صادق مجلس الوزراء وكذلك البرلمان الصومالي قرار تطبيق الشريعة الإسلامية ، قام مسئول حكومي رفيع المستوى بعقد مؤتمر صحفي يقول فيها :إنَّ الشريعة التي وافقتها الحكومة والبرلمان ليست شريعة قطع اليد ، وقطع الرؤوس ، والعقوبات القاسية ، هذه الأمور منافيةٌ لمبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان ، وليست من تقاليد الشعب الصومالي . انتهى كلام هذا المسئول .فهل نجد فرقاً بين طعون المستشرقين على الشريعة وبين كلام هذا المسئول ؟وتحت ضغط الواقع الشعبي واستنكارهم لتصريحات هذا المسئول ، وحفاظاً لسمعة الحكومة يأتي هذا المسئول في اليوم التالي ليتراجع عن تصريحاته ويعتذر للشعب الصومالي متعللاًً بأنه قد أُسيئ فهم تصريحاته .ومن هنا ينبغي على المخلصين المنادين لتطبيق الشريعة في الصومال أن يضعوا للتدرج ضوابط طالما أنَّه وسيلة وليس غاية كما ذكرنا ، فإذا توفرت الإمكانيات والقدرات والظروف عندها يكون التطبيق الكامل ، فشريعة الله منظومةٌ متكاملة ، وكل لا يتجزَّأ ، كما أنَّ التطبيق الكامل جزءٌ من إيمان العبد ؛ لأنَّ الإيمان اعتقاد وعمل .خامساً : ومن الأولويات المهمة أيضا في مجال تطبيق الشريعة في الصومال معرفة فقه الواقع ، فمن خلاله نوفق بين إمكانياتنا ( فاتقوا الله ما استطعتم ) [التغابن: ١٦] ، وبين أمنياتنا ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة[الأنفال: ٦٠].ومن خلاله نستطيع أن نفهم قواعد اللعبة السياسية وأبجدياتها ، ونقلب الطاولة على مشاريع العدو ، ولم يكن قد حصل ما يحصل اليوم في بلدنا من تقاتل أصدقاء أمس ورفقاء الدرب .إنَّ بلدنا – أيها الأحبة – يعاني من تدخلات سافرة في بره وبحره وجوه ، وهو مستهدف من قبل القوى الإقليمية والدولية في كافة المجالات : مستهدف في عقيدته ، ومستهدف في هُويته وثقافته ، ومستهدف في أرضه الغنية بالثروات المتنوعة ، بل في كيانه ووجوده .أرادوا أن يُمسح الصومال من الخريطة الدولية ، وأن لا ننعم بالاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للأسباب التي أشرنا إليها آنفاً وغيرها التي يعرفها المتابعون للشأن الصومالي ، هذه الأمور المعقَّدة المتشابكة تلزمنا أن نتعلَّم فقه التعامل مع الأعداء ومداراته عند الحاجة – وهو أسلوب نبوي مستفادٌ من دروس الحديبية - .وليتنا تأملنا وأمعنا النظر في الفصل الذي ساقه ابن القيم (ت751هـ) – رحمه الله – في زاد المعاد حول تعامل النبي e مع الأعداء تحت عنوان : " فصل في ترتيب سياق هديه e مع الكفار والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله عز وجل " ([7]).انظروا إلى صحابة رسول الله e كيف كانوا يَبنون اجتهاداتهم ويُحققون مقاييس اعتبارات الواقع، ومن ذلك :ما كان يفعله عمر بن الخطاب t من وصية أمرائه ألا يقيموا حداً في الغزوات ؛ لأنَّ حال المسلمين وواقعهم في الغزو يختلف عنه في غير الغزو ، فإقامة الحد على المسلم في الغزو مظنَّة للحاقه بالعدو ، وهذا أشدُّ ضرراً من تأخير إقامة الحد عليه([8]).ولم يقتصر الأمر على عدم إقامة الحدود في الغزوات ، بل تعدَّاه إلى عدم إقامتها أيضا في عام المجاعة ، فرأى عمر المجاعة شبهة معتبرة في درء الحدود ([9]).خرج عمر بن الخطاب t في ليلة من الليالي فسمع صوت امرأة تقول :تطاول هذا الليل واسودَّ جانبه فأرقني ألاَّ خليل أُلاعبهفو الله لولا مخافة ربي وكرامة بعلي لحرك من هذا السرير جوانبهفسأل عمر ابنته حفصة : كم أكثرُ ما تصبر المرأة عن زوجها ؟ فقالت : ستة أشهر أو أربعة أشهر، فقال : لا أحبس أحداً في الجيش أكثر من ذلك ([10]).تأمل كيف أنَّ عمر بن الخطاب t بفعله هذا أراد أن يجنب نساء المسلمين الوقوع في الفواحش على ضوء القاعدة الفقهية : درء المفسدة أولى من جلب المصلحة .سادساً : إيجاد المؤسسات القضائية التي تقوم بتطبيق أحكام الشريعة ، وتأهيل القضاة والمستشارين الشرعيين ، وينبغي أن تحظى هذه المؤسسات بدعم الحكومة لكي تتمكن من أداء وظيفتها .سابعاً : الاهتمام بدستور البلد ؛ لأنه النظام الأساسي في تسيير شئون الدولة ، فينبغي أن نسعى إلى منع كل تشريع يخالف شرع الله تعالى ، كما ينبغي أن لا يكون لدينا تحفظات وعقد نفسية مع استخدام بعض المصطلحات في هذا السياق كمصطلح الدستور الآنف الذكر ، ومصطلح تقنين أحكام الشريعة ، فالعبرة بالمضامين وليست بالألفاظ .فرسولنا u عندما وصل إلى المدينة المنورة كان من أولويات أعماله أن وضع وثيقة المدينة المنورة لجميع سكان المدينة بما فيهم اليهود لتنظيم شؤون حياتهم ، فهي بمثابة أول دستور في العالم كما جاء في بعض كتب السيرة النبوية ([11]).ثامناً : ومن الأولويات المهمة في هذا المجال استخدام أسلوب الحكمة عند التطبيق ، فعندما نتحلى بالحكمة ، ونضع الأمور مواضعها يمكن أن نحقق أهدافنا ومطالبنا .ومن الحكمة أن نبدأ بتطبيق الشريعة على أنفسنا وأسرنا تطبيقاً يعكس جمال التطبيق ومحاسنه . أما عندما يكون التطبيق مشوهاً – كما نرها في واقع بلدنا اليوم – فقد نكون عندئذ أحد العوائق الأساسية في مشروع تطبيق الشريعة شعرنا أم لم نشعر .هذا ما تيسر لي تحريره في هذه الوريقات ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . كتبه د/ عبد الرزاق حسين أحمد داعية وباحث صومالي
[1] - منهاج الانقلاب الإسلامي لأبي الأعلى المودودي (ص: 191). [2] - انظر : الوجيز في شرح القواعد الفقهية للدكتور عبد الكريم زيدان (ص: 120). [3] - القصة رواها الإمام أحمد في مسنده بسند صححه الشيخ أحمد شاكر انظر : مسند الإمام أحمد برقم (5675) و (5568). [5] - تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام لابن جماعة (ص: 48- 49). [6] - في فقه الأولويات للشيخ القرضاوي (ص: 79). [7] - زاد المعاد في هدي خير العباد (3/158- 159). [8] - انظر : إعلام الموقعين لابن القيم (3/6). [9] - المصدر السابق (3/10). [10] - انظر : تفسير ابن كثير (1/333). [11] - انظر نص الوثيقة في : السيرة النبوية لابن هشام (3/31) ، هذا وقد طعن بعض الباحثين أسانيد هذه الوثيقة ، وتعرض لها أستاذنا الدكتور أكر ضياء العمري بالبحث والدراسة في كتابه : السيرة النبوية الصحيحة (1/275) وقال : (( ترقى بمجموعها إلى مرتبة الأحاديث الصحيحة )) .
بداية أتقدم إلى فائق الشكر وعظيم التقدير لشيخنا وأستاذنا الكريم فضيلة الشيخ الدكتور/ أبومحمد عبدالرزاق أحمد حسين حزاه الله خيرا وبارك فيه ‘ فلقد استفدنا من علمه ونهلنا من معرفته ‘ وعرفناه مبغضا للتقليد ومحباً لإتباع الحق ‘ والتحرر من الحزبيات الضيقة التى فرقت شمل المسلمين ‘ عبارته سهلة ‘ وألفاظه رائعة ‘ بعيدة عن السجع المتكلف
حقيقة هذا الموضوع الذي تطاقت نفس الشيخ الحديث عنه مهم وفي غاية الأهمية ‘ كيف لا وبلدنا أصبح ميدان لأصحاب الجماعات المتضاربة ‘ والتى كل واحد منها تبدع شقيقتها في المسيرة والعملية المباركة ‘ على العلماء وأصحاب الجمعات أن يراجعوا حساباتهم ‘ وعليهم أن يقدموا للأمة لما فيه خير دينهم وصلام دنياهم وإلا لهلك الجميع
علينا جميعا أن نوقر العلماء ونعظمهم حق التعظيم فهم حماة الشريعة وحراس العقيدة وحملة الإسلام ‘ ونعمل بتوجيهاتهم مادام لها مسند من الشريعة
ختاما أكرر شكري وتقديري الجليلين لشيخي وأستاذي الذي أحبه في الله ولله ‘ والذي تأثرت به ‘ بسلوكه وعبادته ومنهجه
متمثلا بقول الشاعر : فتشبهوا بالكرام إن لم تكونوا مثلهم...إن التشبه بالكرام كرام
تحية للأخ الأستاذ د. عبد الرزاق حسين
ومعرفتي به أنه داعية وقور وأخ ناصح للد عاة وطلبة العلم . والحقيقة أنني استفدت من هذا المقال معلومات مفيدة, ناهيك عن البراعة الأدبية وسلاسة الأسلوب, وأعتقد أن الواقع الصومالي بحاجة إلى كثير من المحاولات والجهود التي لا تسأم عل الله أن يجمع شملنا ويرفع كلمتنا.
شكرا
شكرا للأخ والزميل الدكتور/ عبد الرزاق على المقال العلمي الرائع
ثقافتنا الصحوية ليست وليدة اليوم، ولكن تصرفاتها الرعناء في أغلب الأحيان توحي بتاريخها لساعة واحدة سابقة، فالأخطاء تتلوا الأخطاء، وقليل من يتعظ ويستفيد من الدروس والعبر، ولو احتفظنا فقط بانجازاتنا لتراكمت وأنقدت الأمة، فبالهمم تعلوا الأمم.
ما أجد وصفا مناسبا لحالة أصحاب المشروع الإسلامي في الصومال إلا انهم مغرورون على حد وصف ابن حجر العسقلاني في فتح الباري عند شرحه لحديث من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، يقول "قال الأكابر من شغله النفل عن الفرض فهو مغرور، ومن شقله الفرض عن النفل فهو معذور" في إشارة إلى ترتيب الأولويات في العمل الإسلامي،
تحياتي لك
أخوك/ أبو حاتم المدني
المدينة المنورة
مقال رائع , ولكن ماعسى للمقال أن يتحرك برجليه وينزل للواقع ما يتضمنه من حقائق جهل الناس عنها , كثر النقد علي من تصدرو لتولي المناصب السياسية وهذا طبيعي ولكن ليت شعري لو كانو علي ذراية حتي يتعظو ويقبلو العظة والنصحة ولكنهم قوم ليس عندهم مؤهلات أصلا تمكنهم لمباشرة الأعمال التي تطفلو بها وما زالو يتطفلون بها ولم ببلغو سن المراهقة في ما يبصدرون فليتهم أسندوالأمور إلي أهلها وليتهم أعطو القوس باريها
شكرا للاخ والدكتورعبدالدرزاق حسين
وحفظك الله ورعاك اينما كنت ولكن الحقيقة انني استفدت هذا المقال
واشكرك علا هذا المقال واسال الله العلم والعافية لنا ولكم
dr marka hore waan salaamayaa marka hore
haa waa loo baahnaa maqalkan oo kale waxaan moodayaa inaan u soo dhowaanay runta laakiin waxaad ku turjuntaa luqada soomaaliga ah web-saydyada soomaaliga ahna gesha waxaa laga yaabaa shiikha lafdiisu in mar kamid ahaa xaraagaatka soomaalida ee tacsubka badan islana wayn.
|
تعليقات حول الموضوع
فمن المهم ان يفهم الناس الأولويات في كافة نواحي الحياة فدائما هنالك مهم وأهم ومن الحكمة عدم تقديم المؤخر على المقدم
من كلام الكاتب الرائع التالي: يظن بعضنا أنه لن يكون هناك تطبيق للشريعة إلا في باب العقوبات والحدود ، فاختزلنا مفهوم الشريعة الواسع في هذا المجال (إنتهى)
مع ان الحدود لا يجوز بأن نقربها ولكن دين الإسلام دين رحمه فهي تطبق في أوقات معينه ولنا في السلف الصالح أسوة حسنه لكن جماعة الشباب الخـ.....لها نظرة مختلفه للإسلام ولذلك لم تجد القبول عند الشعب وإبتعد عنها، الكلام يطول حدا عن هذه الحركه المقيته التي لا تعرف الحوار اصلا وتكفرنا وتخرجنا عن المله متى ما رأت ذلك
مقال جدا جدا ممتاز وفي متناول إدراك المثقف والعامة من الناس
حفظ الله الصومال وأهله من كل مكره