ملف الموقع: من مصلحة تركيا الحالية الابتعاد عن العرب

تمهيد

إن الأمة الإسلامية –مع الأسف- تمر بمرحلة ضعف شديد حتى اجترأ عليها حثالة القوم، وذلك بسبب التفرق المذموم الذي أدى إلى التشدد فيما بينها والانبطاح أمام الأعداء، إلى قطع ما يجب وصله ووصل ما يجب قطعه، إلى التنازل عما يجب عضه عليه بالنواجد، ومن الجميل أن أورد هنا حكاية تصور جانبا من أسباب هذا التدهور:

يحكى أن ديكا كان يؤذن عند فجر كل يوم . وذات يوم قال له صاحبه:  أيها الديك لا تؤذن مجددا أو سأنتف ريشك! فخاف الديك وقال في نفسه: “الضرورات تبيح المحظورات” . ومن السياسة الشرعية أن أتنازل وأن أنحني قليلا للعاصفة حتى تمر، حفاظا على نفسي، فهناك ديوك غيري تؤذن على كل حال. وتوقف ديكنا عن الأذان. ومرت الأيام والديك على ذاك الحال. وبعد أسبوع جاء صاحب الديك وقال له :أيها الديك إن لم تقاقي كالدجاجات ذبحتك! فقال الديك في نفسه مثل ما قال في المرة الاولى:  “الضرورات تبيح المحظورات”. ومن السياسة الشرعية أن أتنازل وأن أنحني قليلا للعاصفة حتى تمر، حفاظا على نفسي. وتمر الأيام وديكنا الذي كان يوقظنا للصلاة  لم يعد يوقظنا بل أصبح وكأنه دجاجة! وبعد شهر قال صاحب الديك :
أيها الديك الآن إما أن تبيض كالدجاج أو سأذبحك غدا! عندها بكى الديك وقال: ياليتني مت وأنا اؤذن. هكذا تكون سلسلة التنازلات عن المبادئ والقيم تحت مسمى “فقه الواقع” مكلفا، باهظا، مميتا ([1]) .وما أكثر البكاء والنواح والحشرجة كبكاء أبي عبدالله في عرض البحر عند ما سلّم مفاتيح آخر مدينة في الأندلس، بعد ما كان ما كان، وقالت له أمه: لا تبك كالنساء على ملك لم تدافع عنه كالرجال، ولا أعني هنا من بكاء النساء تعريضا لهن، فهناك اتجاهات وأوجه نشاط تناسب جنس الذكر ولا تتناسب مع جنس الأنثى، وكذلك العكس، وذلك من خلال ما تحكم به الحضارة التي ينشأ فيها الطفل. إذ أن هناك اعتقادا شائعا في أنه لابد أن يختلف الأولاد عن البنات في السلوك.

ومن الصفات التي ينظر على أنها خاصة بالذكور من الأطفال العدوان البدني، السيطرة والتخريب، العناد، الميل إلى المشاجرة، الغضب، وبالمقابل فإن ما ينظر له على أنه مناسب للبنات دون الذكور الخوف، الاتكالية، الخجل، الوقار الاجتماعي، الدقة، النظام والترتيب.

ويعمل الوالدان في الغالب على الموافقة أو الرفض لسلوك ابنهم حسب ملائمة هذا السلوك لجنس الطفل أو عدم ملائمته. فمثلا إذا بكي الولد أو دمعت عيناه، فإنه يوبَخ ويقال له “عيب، أنت رجل، والرجال لايبكون” في حين إذا بكت البنت إذا ضربتها زميلتها فإن هذا السلوك مقبول منها ([2]).

صحيح أن العمل على تقريب وجهات النظر بين المسلمين واجب في كل الأوقات، وقد يكون هذا الواجب عاجلا وهاما في بعض الأوقات مثل هذا الوقت الذي نحن فيه الآن، وصحيح كذلك أن الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم، وصحيح كذلك أن الحياة تتطلب تعاونا بين الدول والشعوب، لكن يشذ العرب الحاليين شعوبا ودولا عن هذه القاعدة، وتصدق على الأتراك شعبا وحكومة وغيرهم من دول وشعوب الأمم الحرة.

لماذا أرى أن من مصلحة تركيا الحالية الابتعاد عن العرب؟

تاريخيا إن الشعوب العربية لم تر نظاما للحكم الرشيد منذ القدم عدا أيام الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ومنذ ذلك الوقت إلى الآن والشعوب العربية محكومة بنوعين من الحكم هما: حكم العوائل بألوانه المختلفة والانقلابات المستبدة، لهذا فالشعوب العربية لم تر حكما قائما على الحرية أبدا وتعاني ثقافيا من أزمة في نظام الحكم.

ومن المعلوم كذلك أن الدولة التركية وقفت إلى جانب ثورات الشعوب العربية إيمانا منها بحق الشعوب للحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية القائمة على الحرية، لكن فات عنها ربط ماضي الأمة العربية بحاضرها لتتنبأ مستقبلها بناء عليهما، فالشعوب العربية لا تستشار ولم تستشر في تاريخها الطويل في من يتولى أمرها، فتربت على أن من اشتدت وطأته وجبت طاعته دون النظر إلى الطرق التي وصل بها إلى السلطة، ومن نافلة القول التأكيد على أن من وصل إلى الحكم عبر وسائل غير شرعية أن يحجر الحرية والتفكير السليم بحيث لا يسمح للعلماء والعقلاء أن يقتربوا من تناول الشأن العام للأمة إلا المتملقين من علماء السلطة وعملاء الشرطة الذين يتبعون هوى الحاكم ويزينون له ما أراد.

ضعف الشعوب العربية ورضاها على أمر الواقع

قد لا أبالغ إن قلت: إن الشعوب العربية هي أضعف شعوب على هذه البسيطة حاليا، بسبب واقعها البائس الذي يجسد حاضرها المأساوي، فهي مملوكة لحكامها مثلهم مثل العقارات، فأي شخص يحاول التململ أو التمرد على هذا الواقع فهو إما أن يقتل أو يسجن مع التعذيب أو يهجر أو تسحب منه الجنسية والمواطنة، ويجوز أن تجمع في حقه جميع تلك العقويات وما قد يستجد؛ لأن العباد والبلاد ملك للحاكم الذي ورث عن أبيه وأجداده أو أنه استولى عليها بالقوة، وما دام لا يزال يمتلكها وفق ذلك الحق وتلك القوة فهو الآمر والناهي، وله فيها التصرف المطلق بيعا وشراء وهبة، سَلَما ووديعة ورهنا، حتى يجيء آخر يزيحه عنها بالقوة.

إن الشعوب العربية أتقنت درس العبد والسيد مع أنها تدين بالدين الإسلامي الذي جاء لتحرير البشرية من استعباد الإنسان لأخية الإنسان، لا أدرى إمكانية علاج مريض يحتفظ البلسم الشافي لكنه ليس مستعدا أن يتناوله، لهذا فالحكم العربي واحد من اثنين: إما أن يكون ملكية مطلقة أو شمولية مطلقة، وكلاهما هلاك للذين يقعون تحتهما، بحيث لا يسمح أي تفكير وأية حرية وأية إنسانية. وأمام هذه المأساة الحقيقية ولد الإنسان العربي وشب وشاب وشاخ ومات ودفن، ونقل هذا الميراث الهابط إلى الأجيال القادمة شفهيا وتمثلا، إنه معذور من جهة ومقصر من جهة آخر: معذور لأنه ورث عن آبائه وأجداده وأرضه وسمائه ومياهه وهوائه ضعفا مطلقا وهوانا شاملا لم يتح له الاختيار من متعدد بل فرض عليه طريقة واحدة فسلكها أعمى البصر والقلب، ومقصر لأنه العاقل المكلف الذي يرى الشعوب من حوله تتمتع بمساواة في الحقوق والواجبات، وهي سواسية كأسنان المشط بحيث لا فضل لأحد على أحد إلا بمقدار العطاء، ولا مالك ولا مملوك، ولا حاكم ولا محكوم بالفطرة.

ومن الغريب إن الشعوب العربية التي تربت على هذه الأجواء العكسية إذا أتيحت لها في بعض الأحيان –عن قصد أو غير قصد- الحرية تفسدها إلى حد الفوضى التي لا يمكن تحمل تبعاتها وسواءتها إلى أن يشتاق العربي إلى الزمان الغابر زمن الاستعباد، فيسعى بكل ما أوتي إليه من قوة وحيلة إلى استعادة تلك الأجواء الأليفة، ويكفر بالحرية وأشواقها ويؤمن بالاستبداد وبلواه، ثم يبدأ من جديد رحلة البكاء والشكوى عن الاستبداد، فهو دائما بين بكاءين وحنينين: بكاء عن الاستبداد وحنين إلى الحرية، وبكاء عن الحرية (بشكلها الفوضوي) وحنين إلى الاستبداد، هلوعا إذا مسه الشر (الاستبداد)، جزوعا، وإذا مسه الخير (الحرية) منوعا.

استبداد حكام العرب

أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعت بنا المجامع يا جرير

إن الاستبداد ليس قوة وشجاعة بل إنه ضعف وجبن، والصبر عليه ليس بصيرة وحِلما بل إنه عمى وغباوة، أما حجم الاستبداد عند حكام العرب فليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم، ويكفيك دليل –والأدلة كثيرة جدا- على أنه لا يوجد حاكم عربي واحد –مدى التاريخ-  اسمه الرئيس السابق فضلا عن الأسبق إلا المنصف المرزوقي العملاق الذي وصل إلى الحكم بطريقة غير طبيعية عند العرب وتركها بطريقة طبيعية عندهم (المنع المدبر)، إنهم لا يتركون السلطة طواعية ولا يقبلون مبدأ التداول، إن شعوب العالم تعرف حاكمها الحالي فقط، أما الشعوب العربية فتعرف الحالي واللاحق واللاحق واللاحق …. كما أنه لا توجد مطالب شعبية على هذه الوضعية الشاذة إلا الهبات الناعمة المجهضة في الربيع العربي ، أفبعد هذا استبداد وطغيان؟ فهنيئا للشعوب والحكام كل يأكل زاده.

إن الحديث عن الاستبداد العربي بعد هذا الوصف يكون عيا وثرثرة عربية فقط، كذلك الحديث عن دور إيجابي للشعوب العربية يكون –أيضا- ثرثرة أخرى.

رابط القمع بين أنظمة الحكم العربية

إن قمع الأنظمة العربية لشعوبها –كذلك- لا حدود ولا سقف له حتى دانت لها الشعوب الجبانة التي لا ترى أن قوة الطغاة تستمد من ضعفها، فبدل أن تواجهه بأقل الخسائر لتحررها اختارت أن تدفع أفدح الأثمان للاستمرار في الاستعباد. أما المستبدون فيحصون أنفاس الشعوب وينكلونها بكل الأساليب حتى يضمنوا طاعتها المطلقة، وهو ما نجحوا فيه إلى حد كبير، بحيث لا يوجد اليوم من يتطلع إلى الحرية، إن المستبدين يد واحدة على من سواهم من شعوبهم.

إن قمع المستبدين يتجسد في وأد نخوة وشهامة شعوبهم التي أصبحت مثار سخرية العالم لتضعضعها.

رابط قمع الشعوب العربية بين أنظمة الحكم العربية والغرب   

ولضمان استمرار حكام العرب في حكم شعبهم ارتموا في أحضان قادة الغرب والذين لم يعد لديهم الكثير من مشاغل الحكم بعد أن وضعوا قوالب مقننة لحكم شعوبهم، وبعد تجربة طويلة خرجوا بأنظمة غاية في الروعة لسياسة أوطانهم في جميع مناحي الحياة، مما ضمن لشعوبهم وضعا أفضل، ومستقبلا زاهرا، هذا الغرب لديه فضلة من الوقت والحسد، فبحث عن مكان للاستفراغ وتقليل التوترات النفسية وضغوط الحياة، فوجد ضالته في بلاد العرب الزاخرة بالإمكانات الهائلة التي تمتلكها أسر أو أشخاص.

من هنا نشأ تزاوج الاستنزاف الذي ضمن لتلك الأسر والأشخاص البقاء في الحكم إلى الآن وتدفق الأموال إلى الغرب دولا ومؤسسات وأشخاص، وكذلك إفقار شعوب المنطقة أخلاقيا وأملا.

ولنجاح خطة هذا التحالف أطلقت يد حكام العرب في قمع شعوبهم بما أرادوه ليتمكنوا من إخضاعها، كما وفر لهم الغرب الدعاية وأدوات القتل والشرعية، مما أدى إلى أن تنجح الخطة إلى الآن بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف إلى أن قال أحد قادة هذه المنطقة في لقاء جماهيري مادحا شعبه: “إن شعب … هو أفضل شعب في العالم؛ لأنه لا يتدخل في الشئون السياسية”.

صحيح ما حاك جلدك مثل ظفرك، لكننا لم ندرك أن هناك اختلافا جوهريا (في المنطوق والمفهوم) في المبادئ التي روج لها الغرب، لم نكن ندرك أننا الجهة الخطأ التي لا يجوز لها أن تستفيد من تلك المبادئ بعد عناء طويل من محاولة فهمها وتطبيقها (لله يا زمري).

إن الحاكم العربي حمل وديع أمام قادة الغرب وذئب جائع أمام شعوبها، أما الشعوب فليس لديها عِنْدٌ حتى يستشار في أمرها، فهي بين فكي كماشة بين غرب يريد ضمان الاستنزاف والتخلف مهما كلف، وحكام يريدون ضمان البقاء والتوريث مهما كلف، إضافة إلى تشتتها الذي يسهل التهامها بأقل المجهود والتكلفة.

تركيا أمام هذا الواقع

صحيح أن تركيا هي الدولة الإسلامية الوحيدة القادرة على لعب دور فاعل لكنه غير مضمون العواقب، وذلك بثقل التركة ومتطلبات الاستحقاق، فوضعها الداخلي لا يهدد وجودها رغم سخونته إلا أنه يحتاج إلى رعاية خاصة حتى لا يتشقق وتنفذ منه المضرات، ومحيطها ملتهب جدا إلا أنه أيضا لا يهدد وجودها لكنه يحتاج منها إلى يقظة ورعاية، كما أنها لا تواجه أيضا تهديدا وجوديا من تحالفاتها المعروفة بعد فشل انقلاب 15 يوليو المدبر من قبلهم، أما عمقها العربي المهلهل فهو الذي يهددها تهديدا حقيقيا، فكيف؟

إن تهديدات العمق العربي لتركيا تأتي من ثلاث جهات:

  1. من الأنظمة الحاكمة التي توجست منها خيفة لما رأوها تقف إلى جانب الشعوب التي أرادت التحرر منهم، مما شكل تهديدا حقيقيا للحكام من منطقهم الاستفرادي لشعوبهم، هذا المنطق الذي لا يرى أن تحرر الشعب يمثل لهم الضامن الحقيقي للحاكم وللشعب، فهؤلاء الحكام –ورغم التباينات فيما بينهم- إلا أنهم توحدوا ضد تركيا سرا أو علنا.
  2. ومن الشعوب التي لمّا تحقق مسعاها التحرري والتي تريد من تركيا أن تكون ملكا أكثر من الملك كما يقولون، وهذا ما لا يمكن قبوله، لأن الآخر مهما كان حبه وصداقته لك قد يساعدك فيما تقوم به.
  3. من الغرب الذي اتخذ هذه المنطقة دون أهلها وإخوانها وجيرانها منطقة نفوذ بحيث لا يسمح لها وللآخرين الاقتراب منها، لهذا فهو مستعد لمواجهة كل من تسول له نفسه الاقتراب من هذه المنطقة الحمراء، ليضمن استمرار هذا الوضع أطول فترة ممكنة.

إن منطق سوء التقدير والتصرف هو الذي جعل العرب أن يتقبلوا وضعيتهم راضين، وهو المنطق نفسه الذي أفشل ثمرات ثورات الربيع العربي التحررية، كما هو أيضا المنطق ذاته الذي يريد من تركيا أن تعمل بدل عنهم ودون أدنى مساهمة، وهو منطق قديم وفاشل، هذا المنطق يريد أصحابه أن تذهب أنت وربك فتقاتل عنهم وينظروك دون أن يساعدوك في إنجاز المطلوب، وهو ما لم يتحقق لأحد قط.

لا المساواة السلبية

إن الشعوب التي تربت تحت ظلال الاستبداد ترث طبائع الاستبداد، فلا تفكر في العظائم من الأمور بل في صغائرها، لذا لا ترضى بأن ترى الآخرين في نهضة وتفوق، وهي في بؤس وشقاء، ودائما ما تسعى إلى المساواة السلبية فيما بينها، وبينها وبين الشعوب الأخرى لتضمن جوا من السكون وألا أحدا من المجموعة ارتقى إلى السلم، وليس معنى ذلك أن تفعل كل ذلك بسوء النية، بل قد تفعل بصفة لا شعورية، وربما عن حب أحيانا حيث يظنون أنهم يحسنون صنعا، لأن من الصداقة ما يضر ويؤلم، فلا عذر لمن يقبل مرض المساواة السلبية.

ما لا يدرك كله لا يترك جله

إن واجب الأمة الإسلامية –فرادى وجماعات خفافا وثقالا- هوالعمل على وحدتها وتأليفها، وتعاونها على البر والتقوى، لتتبوأ مكانتها الطبيعية، أما العمل على عكس ذلك –قصدا أو ضعفا- فجهل وخيانة، لهذا كان المأمول أن تكون الأمة في عافيتها في حال عرفت طريقها، وأن تتكاتف في حال تعرضها للبلوى، وأظن أن العافية هي الأصل والأكثر، والابتلاء هو الأقل ونتيجة خطأ منا. وفي سبيل استعادة الأمة عافيتها، ينبغي ألا ندخر وسعا مهما كان حجمه، وفي الأثر كذلك “لا تحقرن مِن المعروف شيئا”.

إن هذه القاعدة الأصولية تنطبق على كافة أوجه الحياة، صحيح أنها تدل على ما يجدر بنا فعله وعدم ترك الأشياء بمجرد أننا لا نستطيع إدراك كلها، فلو أدركنا أكثَرها أو نصفها أو أقلها كان خيرا أيضا. ومن الخير أن تفعل ما تستطيع وتحتفظ على قدراتك بدل أن تخسر قدراتك في فعل المطلوب الذي لا تستطيع فعله.

لذا على تركيا ألا تقحم نفسها كثيرا في الشئون العربية حفاظا على مقوماتها، وضمانا لبناء قدراتها الذاتية التي ستؤهلها لأن تقوم بما تراه صحيحا في مساعدة الآخرين وعلى رأسهم إخوانها العرب، لكن قبل التمكن والنضج والتأهل الكافي ينبغي عليها أن تنأى بنفسها عن المناطق المحظورة والمحميات المراقبة، والمنطقة العربية تدخل في هذه الدائرة، لأن فيها (إسرائيل) التي من يعاديها يعادي العالم كله، ولا أظن أن من يحبها يحبه العالم كله.

رحم الله امرءا عرف قدر نفسه

صحيح أن كلنا في الهمّ شرق كما قال شوقي قبل قرن تقريبا، وها هي اليوم هموم الشرق ازدادت. إن من أفدح الأخطاء التي نرتكبها في حق دولنا ألا نعطيها قدرها وحجمها الحقيقي، فإما أن نقحمها فيما لا طاقة لها فيه فتصطدم بواقع أكبر من قدراتها فتتهشم عليه، أو نشغلها بصغائر الأشياء فتضمر قوتها حتى تضعف وتضمحل، وبين هذا وذاك تكون الحكمة، لأن ما هلك امرؤ عرف قدر نفسه، لهذا جميل بتركها أن تعرف قدر نفسها في هذه اللحظات الحرجة والفارقة التي تمر بها الأمة الإسلامية بحيث لا تقصر عن القيام بما تقدر عليه، ولا تتهور في اقتحام ما ليس بوسعها.

خاتمة

إن العرب كانوا بحق رجالا، كانوا لا يخافون من الأسود مهابة والآن من طنّ الذباب ينفرون، كانوا لا يرضون القليل من العلا ولا ممن يحتسي فضلة الكأس، والآن هم من الفضلات يتزاحمون، كانوا كما قال سيدنا أبي بكر لخالد بن الوليد رضي الله عنهما: احرص على الموت توهب لك الحياة عند ما يتطلب الموقف البذل والتضحيات، وعند الانفراجة كانوا يعرفون أن لأنفسهم عليهم حقوقا ولا ينسون نصيبهم من الدنيا، لهذا ملأوا الدنيا بالإسلام مكارم الأخلاق، أما اليوم فهم في حال يرثى لها، لكن عسى يوما يراش جناح حظهم.

إن العودة بالعرب إلى ذلك الزمان وتلك المكانة تتطلب تربية نفوس مرجحة في موازين الصراع والتدافع، وإنما يكون (ذلك) بالتضحيات والعمل الجاد الشاقّ، والتحليق في سماء الجد والاجتهاد، يؤكد ابن القيم رحمه الله هذه القاعدة التربوية المهمّة للوصول إلى هذه النوعية من النفوس فيقول: وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة. فلا فرحة لمن لاهم له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلا استراح طويلا … ([3]).

إن تركيا اليوم هي أغلى ما نملكه في هذا المجال، وهي تمثل قبلة للمستضعفين بمن فيهم العرب، والاحتفاظ على هذه الوضعية يحتاج إلى يقظة من الذين استعملهم الله في قيادتها، ودعاء من عموم الأمة الإسلامية بأن يسدد الله خطاهم، فهي اليوم للأمة الإسلامي كما قال الشاعر أبي فراس الحمداني:

سَيَذْكُـرُنـي قـومـي إذا جَـــدَّ جِـدُّهُــمْ      وفــي اللّيـلـةِ الظَّلْـمـاءِ يُفْـتَـقَـدُ

كما أن هلكها –لا قدر الله- ليس هلك واحد، ولكنه بينان تهدم، لذا ينبغي علينا أن ننظر إلى تركيا اليوم من هذا المنظور، والله أعلم.

نسأل الله العلي القدير أن يضمد جراح أمتنا، وأن يؤلف بين قلوبنا.

 

بقلم الدكتور محمد حسن نور

 

الهوامش:


[1] . https://plus.google.com/101518463089197101016/posts/14TMJnsRXL2.

[2] . عزيز سمارة وآخرون، سيكولوجية الطفولة، ط1، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان – الأردن، 1989، ص 171.

[3] . جمال زواري أحمد، سمـو النفـس مهــر لدعـوة السمـو، http://hmsalgeria.net/portal/index.php?news=948&output_type=rss