مفاهيم خاطئة في الوعي الجمعي الصومالي 

 مقدمة

أثبت الإنسان الصومالي بامتياز فشله في القدرة على إدارة الدولة الحديثة، فبعد 30 عاما من الديمقراطية الوليدة الفوضوية والحكم العسكري المستبد انهارت الدولة المركزية، وبعد 26 من الانهيار لما يتمكن الصوماليون من استعادة مؤسسات الدولة بفاعلية، يقول الصوماليون: “ذهب الجراد لكنه خلف عواقب وخيمة”. إن الاستبداد لم يورث الانهيار فقط، وإنما ورث بالإضافة إلى ذلك ثقافة هابطة للحكم تعادي كل ما هو أهلي وترى تأميم كل شيء، ورغم الضعف الحالي والاتكال المطلق على الغير إلا أن الحنين إلى الماضي لم يمنعهم من التمني، وشتان بين تمنيهم وتمني أمير المؤمنين عمر –رضي الله عنه-، يحضرني في ذلك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي قَالَ فيه : إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ : عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ : لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا ، فَهُوَ يَقُولُ : لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ “([1]). فاثنان عملا واثنان انتويا، فتساويا في الأجر والوزر، ونية المرأ تبلغ إلى ما لا يبلغ عمله، كما أن من هم بسيئة فعملها فعليه سيئة، ومن هم بسيئة ولم يعملها بسبب العجز بعد العزيمة فعليه أيضا وزرها. إن الفرق كبير بين من هدم دولة قائمة ومن لم يستطع انتشال دولة منهارة، وفي كل دنية، إلا أن على الأول وزر مضاعف، والفاعلون المحليون في الساحة الصومالية يتوزعون بين الأول والثاني، بينما القطاع الأوسع منا خامل ينظر الخير من تقلبات الأيام.

 

تغول القطاع الحكومي

يقول الصوماليون: “إن أكبر ما يراه رعاة الغنم التيس” لذا يقيسون عليه الأحجام، فإذا تم الحديث عن الفيل، عن الأسد، عن النملة، عن الديناصور، عن أي شيء … يقولون: فكيف هو بالتيس؟.

إن الشريحة التي عملت مع حكم العسكر، وكذلك تلك التي عاصرت معه لا ترى غير القطاع الحكومي شيئا ذي بال، إنهم يتحدثون عن التعليم الحكومي المجاني، عن الجيش الوطني الذي طالما سهر لحماية العباد والبلاد، عن المصانع المختلفة، عن شركات التصدير والاستيراد، عن الحزب الاشتراكي الواحد(*)، عن فرق الفن، عن القطاع الحكومي الذي يشتمل على جميع مناحي الحياة … عن الحنين إلى هذه الأشياء التي في النهاية أتت على نفسها، إنني لا أتحدث حاليا عن الفساد الذي نخر عظام تلك المؤسسات حتى أرداها، لكنني أتحدث عن غرام القوم في القطاع الحكومي، إنهم يتحدثون عن الشركات والمؤسسات التي تملكها الحكومة فقط.

عن التعليم، من 2000 إلى الآن، والعاملون في القطاع الحكومي يتحدثون عن التعليم الحكومي المجاني بأنواعه المحتلفة، ويبطنون شرا أو يظهرون عداوة للمظلات والروابط التعليمية الأهلية التي حملت راية التعليم عن جدارة واستحقاق من تسعينيات القرن الماضي إلى الآن، علما بأن العاملين في القطاع الحكومي أخفقوا طيلة تلك الفترة في افتتاح مدرسة تعليمية حكومية واحدة سواء أكانت ابتدائية أم إعدادية أم ثانوية، فبدل احتضان التعليم الأهلي وتسليم أوسمة شرف للقائمين عليه يسعون إلى مضايقته، إن العاملين في قطاع التعليم الحكومي أو بالأحرى بمن يفترض أن يكونوا ذلك انحصر جهدهم فيما انحصر أن يجبروا طلاب مدارس المظلات الأهلية على تأدية امتحان يقال إنه “الامتحان المركزي” الذي تعده الوزارة لطلاب لم تضع لهم منهجا موحدا أو مفرقا ولم  توفر لهم مدرسين أو مشرفين أو أي نوع من أنواع التدريب أو أي نوع من أنواع الدعم التعليمي، علما بأن التشكيلات المختلفة للحكومات المتعاقبة لم تخل عن وزارة للتعليم وإن اختلفت المسميات.

أما التعليم العالي فهو أغرب من الماضي، إذ القوم يتحدثون عن الجامعة الوطنية، إنهم لم يستبعدوا عن تقديم دعم للجامعات الأهلية التي تصدت حسب امكاناتها لمتطلبات التعليم العالي في البلد، ولكنهم استبعدوا فرضية الحديث عن إنشاء جامعة حكومية أخرى ودون أدنى اعتبار للنمو السكاني والعمران والتباعد الجغرافي، إنهم يتحدثون عن جامعة حكومية واحدة اسمها “الجامعة الوطنية“. أما الجامعات الأهلية، ففي نظرهم سرطان يجب بتره، مع ضرورة منعها من الاستفادة من أي نوع من أنواع الدعم الذي يقدمه المانحون سواء أكان عينيا أم مقابل مشاريع وأتعاب، علما بأن دعم المانحين –وإن كان له شروطه وضرائبه- إلا أنه يشكل أهم مصدر للدخل للحكومة ولكثير من مؤسسات المجتمع المدني.

ومن نافلة القول أن نذكر هنا أنهم في تناقض مع نظام الحكم في البلد الذي يقال: “إنه نظام فدرالي” والنظام الفدرالي لا يعطي اختصاص التعليم للمركز،.لكن –كالعادة- هناك فرق بين المكتوب والممارس عندنا.

والغريب كذلك في مجال التعليم أن يتحدث القوم عن تعليم جامعي مجاني بجميع تخصصاته، وهو ما لا يتوفر لطلاب الدول المتقدمة، كما أنه مخالف للدستور الفدرالي الذي يتحدث عن تعليم مجاني حتى الثانوية ولا يتحدث عن تعليم جامعي مجاني، إذ يقول الدستور في البند الثلاثين في الفقرة الثانية: “لكل مواطن حق الحصول على تعليم مجاني حتى الثانوية” ([2] (. فتحمل القوم ما لا يجب عليهم ولا يطيقونه، وضيعوا ما أوجبوا على أنفسهم ويطيقونه، إنه مبدأ المعكوسية. وإن أرادوا أن يساعدوا التعليم العالي بعد إنجاز التشريعات الضرورية له وإخلاء طرفهم عن متطلبات مراحل التعليم الأساس والثانوي، فما عليهم إلا أن يوفروا بعض المنح للتخصصات المفضلة والاستراتيجية للدولة، وكذلك منح بعض القروض الميسرة (تأدية) للطلاب غير القادرين على تغطية نفقات التعليم. وعن التعليم العالي، يقول الدستور في البند الثلاثين في الفقرة السابعة: “ستشجع الدولة التعليم العالي، المعاهد التقنية ومعاهد التكنولوجيا والبحث” ([3]).

 

التغني بجودة التعليم الحكومي

إن المتعلمين أو بالأحرى أثمان المتعلمين في الأنظمة البائدة لا يستحيون عن الجهر بجودة التعليم في عهدهم، وهم الذين لم يصل مستوى نضجهم الفكري إلى التنبؤ عما يضمر الدهر للوطن في ظل التصرفات الصبيانية من السلطة والمعارضة، وهم الذين لم يقدروا على أن يأخذوا بأيدي الفاعلين بالحجج والشجاعة، وهم الذين لم يستطيعوا تخريج أجيال مسلحة بالعلم والأخلاق، وهم الذين لم يخرج منهم نابغة في مجاله، هؤلاء الموصوفون يرون ألا مخرج للصومال سوى النهل من المعين الذي نهلوا منه، وهم الذين تعلموا على تعليم كله فساد من الفلسفة والسياسة والأهداف والمحتوى والطرق والوسائل والتقويم، أو بالاختصار مدخلات وعمليات ومخرجات. إنهم يتمنون تخريج جيل يشابههم ليضمنوا استمرار مسلسل الفساد والإفساد، ولا يرون التعليم الأهلي الحالي شيئا ذا بال.

 

عن القوة الضاربة للجيش الصومالي المتهالك

إن الجيش إحدى مؤسسات الدولة، وليس ضروريا لوجود الدولة لكنه مهم لها، وقد يكون خطرا على الدولة والشعب كأهميته لهما، ومن المؤسف حقا أن ينتشر عدوى الحديث عن أمجاد الجيش الصومالي الملقب بأسود أفريقيا، ولا أدري لماذا اقتصروا على أفريقيا ولم يلقبوه بأسود العالم على الأقل.

إن الجيش الصومالي انتهى إلى ما تأسس عليه، والعبرة في مآلات الأمور، فما هي النقطة البيضاء التي تحسب للجيش الصومالي؟ خاض في حروب خاسرة لم يستشر منه، ولم يستطع مراجعة القيادة السياسية المتهورة بالحكمة المطلوبة في الأوقات الدقيقة، كما أنه لم يصمد طويلا أمام استحقاقات التهور، لا أركز هنا على الجماهير التي يعذر لها إن انخدعت، ولكن أتحدث عمن يفترض أن يكونوا من النخبة، فالأغاني الوطنية وحدها لا يمكن أن تصنع البطولة، وإنما إلى جانب ذلك ينبغي أن تظهر في الميدان والسلوك والأخلاق، فما هي مناقب جيش لا يرى له أثر؟ جيش فشل في الحروب الخارجية والحروب الأهلية، ومع ذلك يوجد من يصم آذاننا في الحديث عن ذلك الشيء غير الموجود، ويدعو إلى تأسيس الجيش الصومالي المنشود على غراره، وهي دعوة صريحة للفشل من جديد.

إن تجارب الأمم في تأسيس الجيوش ماثلة أمامنا ومتاحة للجميع، ومن بينها تجاربنا، ومن الممكن الاستفادة منها نجاحا وإخفاقا، فالتدريب والتسليح (طبعا بسلاح لم تنتجه)، والعدد وعضلات منتسبيه عناصر مهمة له، لكنها ليست فاصلة، وإنما الفيصل “العقيدة” كما يقولون. إن جيشا يحيي ضباطه الليالي الحمراء دون خجل لجدير بالانهيار كما انهار، إن جيشا يغتصب الفتيات ويتعاطى المخدرات، ويشق الطرق المتلوية في تحصيل الرشاوى والتي تؤدي إلى تدمير نفسه كما دمرت، ليس جديرا بالإشادة.

وعليه، فإن من المفاهيم الخاطئة لدينا والتي يجب تصحيح فهمنا نحوها مسألة الجيش الصومالي السابق، إنه لم يكن وطنيا، إنه لم يكن قويا، إنه لم يكن بطلا في المواجهات، وإنما كان ضحية لمجرمين جهلة، لهذا ينبغي ألا نمجد الفشل والفاشلين، ومن يروج لهذا النهج ليس ناصحا لنا، وإنما يريد تضليلنا لنبقى في المتاهة. فكيف نمجد وندعوا إلى الاقتداء بمن فشل ولم يعد له أثر في الحياة، أعتقد أن ذلك لا يمكن أن يستمر.

 

معاداة القطاع الحكومي والحكومة

ينص القانون الثالث من قوانين نيوتن للحركة في الميكانيكا التقليدية، على أن القوى تنشأ دائمًا بشكل مزدوج. حيث يكون لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار وعكسه في الاتجاه. وتعيين أحد القوتين كفعل والأخرى كرد فعل هو تعيين تبادلي حيث يمكن اعتبار أي من القوتين فعل في حالة اعتبار الأخرى رد فعل، والعكس صحيح، ([4]). وينسحب هذا القانون على الأفكار، فمثلا عندما يظهر انحلال في الأخلاق يظهر اتجاه معاكس يجنح نحو التمسك بمفاهيم متطرفة للأخلاق كرد فعل للاتجاه الأول، فظاهرة الترف يقابلها الزهد، واليمين يقابله اليسار، واليمين المتطرف يقايله اليسار الأقصى، وهكذا.

صحيح، أن لكل فعل رد فعل مساو له في القوة ومعاكس في الاتجاه؛ لهذا نتج عن تغول القطاع الحكومي، اتجاه آخر قوي يعادي كل ما هو حكومي. فالحكومة في نظرهم فشلت في إن تدير ما هو حكومي، وتعادي ما هو أهلي، من هنا عادى الأهلي ما هو حكومي، وأحيانا الحكومة نفسها. فمثلا إذا حاولت وزارة التربية أن تفتح مدرسة مجانية لا أحد يذهب إليها تقريبا، وهي محكومة بالفشل بشواهد قائمة، لهذا أي شيء يأتي من جانب الحكومة لا يلقى قبولا من المجتمع تقريبا، وهو محكوم بالفشل قبل أن يدخل حيز التنفيذ، وإن حاولت الحكومة المساهمة في تعض المجالات الاجتماعية، فالناس ينظرون إليها بعين الريبة، التقارير التي تصدر عن الجهات الحكومية قليلة المصداقية عند الجمهور، وحتى في مجال التوظيف لا تذهب إليها الكفاءات، وهو توجه له خطورته على مستقبل الدولة الصومالية، وينبغي علينا دراسته ومواجهته بحكمة ودراية.

 

وساطة بين الاتجاهين

نحن أمام جناحين متناقضين للدولة، ولا بد من العمل على أن يتكاملا، وهو الأمر الطبيعي، فكما لا يمكن أن يطير الطير بجناح واحد، فلا يمكن للدولة أن تحفظ كيانها بقطاع واحد سواء أكان حكوميا (كما هو الحال الآن في فهم العاملين في القطاع الحكومي) أو قطاعا أهليا كما يرى أصحاب المصالح الخاصة الذين يرون أن مصالحهم تضررت بوجود الدولة، تلك هي إحدى الثنائيات القاتلة التي يعانيها الشعب الصومالي.

 

قبول النهب الفاضح في الممتلكات العامة

في الغالب ينتشر الفساد في القطاع الحكومي، لكن الجديد في الأمر أن حدث تطور في الامر، تطور يبدو أنه يحظى قبولا، وهو السطو على الأراضي المخصصة للمصلحة العامة، مثل: الوزارات والمستشفيات والمدارس والبنوك والوكالات… وهناك أساليب مختلفة للسطو، منها أن تكون شراكة بين مسئولين كبار في الدولة وأصحاب مصالح أخرى، إذ يكتب المسئولون مكتوبا يدعون فيه عدم حاجة الوزارة إلى هذه الأراضي والاستغناء عنها؛ لتتحول بعدها الملكية العامة إلى ملكية خاصة بين المتنفذين في الدولة وأصحاب المصالح، قلّ أن توجد حاليا أرضا عامة في مقديشو، لهذا بلديتها لا تمتلك صلاحيات تذكر في هذا المجال، والأمر كذلك في باقي عواصم الإدارات المحلية.

الغريب في الأمر، أن يصبح هذا السطو عملا مقبولا، ليت لو كان الأمر عملية توزيع الأراضي على فقراء المدينة، وما أكثرهم! إن المتنفذين في الدولة والتجار هم الذين يتقاسمون هذا السحت جهارا، ولا تخطئ العين القصور الشاهقة التي أقيمت في تلك الأماكن والتي يمتلكها حاليا ذلك الثنائي. من هنا تدرك القيمة الأكيدة لكلام أمير المؤمنين، عثمان بن عفان –رضي الله عنه-: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. فكيف الحال في حال غياب أثر القرآن وذلك السلطان!

ومن المعلوم احتلال الصومال في آخر القائمة لتقارير منظمة الشفافية سنويا، ومع ذلك لم تسجل مساءلة أي متورط في هذا الشأن، وهناك اعترافات من أعضاء برلمانيين في تلقيهم رشاوى في وضح النهار، وفي دلالة واضحة لارتفاع منسوب الفساد في البلد ما قاله مرشح للرئاسة للبرلمان الذي ينتخب الرئيس، حيث قال في حملته الانتخابية وأمام البرلمان: تلقي الرشوة مسموح، والصوت لي، يعني يجوز لكم أن تتلقوا الرشوة من المرتشين المرشحين للرئاسة، لكن مادام التصويت سري، فرجاء صوتوا لي، قال المرشح هذا الكلام أمام البرلمان في حملته الانتخابية. وقال آخرون: كلاما أوضح من هذا، مما يشير إلى المستوى غير المسبوق الذي وصل إليه فساد المسئولين ونهبهم للمتلكات العامة بطريقة واضحة للعيان، شبيهة بتلك أو أوضح.

وهناك تأكيدات تشير إلى أن متحصلات السطو على الممتلكات العامة تمثل أحد أهم مصادر التمويل في الانتخابات القادمة التي يتوقع أن يحسمها المال السياسي.

 

عجز الطبقة المتعلمة في توعية الجمهور

يقول الصوماليون: عندما تحدث زوبعة يهرع إلى المسجد، ولكن ما السبيل عندما تأتي الزوبعة من المسجد؟ وعند المرض يستطب بالدواء، ولكن ما السبيل عندما يمرض الدواء؟ وعند البرد تستدفأ بالنار، ولكن ما السبيل عندما تبرد النار؟

عندما تنتشر هذه العلل في المجتمع تشير فيما تشير إلى عجز متعلميه –إن وجد متعلمون حقا- في توعية الجمهور لخطورة هذه الأمراض، صحيح يوجد متعلمون يقومون بحق أكثر من الدور المأمول، لكن الغالبية العامة منهم إما مثبط أو متورط أو يائس أو خارج نطاق الخدمة بحيث لا يهمه الجاري في الساحة.

حكي عن فتاة صومالية، أن قالت: هل يهلك المطر بهذه الطريقة قرية لها رجالها، كانت تعتقد تلك الفتاة أن الرجال يمكن أن يعالجوا أي شيء مهما كان حجمه، لكنها صدمت عندما رأت غرق القرية بوجود الرجال، لهذا وضعنا الحالي، والأخطاء في وعينا الجمعي توكد على عجز الطبقة المتعلمة في تصحيح المفاهيم وتوجيه البوصلة نحو الوجهة الصحيحة، فالأزمة ساوت بين المتعلم والجاهل، بل كفة الجاهل راجحة في المشهد، إذ تسير الأشياء عكس الجهة المطلوبة. ولم يؤتنا من قلة المتعلمين بل هم كثر، لكن المشكلة في تجسيد العلم في سلوكهم، وإنزاله إلى الواقع، إنه حقا لمؤسف ألا تخاطب النصوص المتعلمين أنفسهم أولا، لكنهم يخاطبونها بالآخرين يقول تبارك وتعالى في شأن هؤلاء: “﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾ سورة الصف. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)﴾ سورة البقرة. وفي هذا قال أبو الأسود الدؤلي: لا تنه عن خلق وتأتي مثله   عار عليك إذا فعلت عظيم … وأوضح مثال للعلماء الذين يأمرون المعروف ويفعلون هو ذلك الرجل الذي يُجاء به يوم القيامة فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أي فلاناً ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه.  هذا هو شأن من يأمر المعروف ويأتي عكسه، أما شأن من يعارض الأمر بالمعروف ومن يتخذ موقف اللامبالاة، فتجدهم في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ( 165 ) فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين(166) ﴾. 

إن المتعلم الصومالي لم يفشل فقط في توعية جمهور وقيادتها نحو الأحسن، ولكنه أيضا فشل في أن يمتثل سلوك العالم، فاللهم أنا نعوذ بك من علم لا ينفع.

 

النجاح النسبي في العمل الخاص أو الفشل التام في العمل العام

ليس لدي إحصاءات أقدمها، لكن من المؤكد سيادة القطاع الخاص واكتساحه الحياة العامة في الصومال، فعملية التصدير والاستيراد يديرها القطاع الخاص برمتها، وكذلك التعليم، التجارة، الصناعة، الزراعة، الاتصالات، المواصلات برا وبحرا وجوا، الحوالات، البنوك …

إن الإنسان الصومالي نجح نسبيا في إدارة عمله الخاص بينما فشل في إدارة العمل العام حكومة أو المؤسسات غير الربحية، وهو الشق الأخطر لحياة الأمم، إن الفردية لا تصلح لحياة الناس، لذا يجب أن تنتظم الحياة في إطارها الطبيعي الاجتماعي التشاركي. ليس لدي حاليا مقترحات لعلاج هذا الخلل، لكن أقول: إن الحياة لا تستقيم دون تحمل المسئولية الاجتماعية.

 

وفي الختام

يقول الصوماليون: إن من ضل الطريق يظن أنى توجه ثمت بيته، إلا أن هناك فرقا بين من ضل دون قصد، لأن من الممكن أن يستبين، ومن ضل عن قصد، حيث لا أمل أن يرتشد، وهو ما يقوله الصوماليون أيضا: من الممكن إيقاذ النائم لكن لا يمكن إيقاظ اليقظان.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرشدنا إلى طريق الخير، وأن يعلي شأن الصوماليين، فاللهم ولّ أمورنا خيارنا ولا تول أمورنا شرارنا، يا قوي يا متين ارفع مقتك وغضبك عنا.

 

بقلم الدكتور محمد حسن نور

 

المراجع

 

  1. حديث صحيح أخرجه الترمذي في جامعه، رقم ( 2325 ) ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، جـ 4، ص 562، تحقيق أحمد شاكر، مصطفي البابي الحلبي – مصر، ط 2، 1975 م.
  2. The Federal Republic of Somalia Provisional Constitution, August, 2012, Mogadishu, Somalia, P 30.
  3. . المرجع نفسه
  4. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B1%D8%AF_%D9%81%D8%B9%D9%84_(%D9%81%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%A1).

 

[1] . حديث صحيح أخرجه الترمذي في جامعه، رقم ( 2325 ) ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، جـ 4، ص 562، تحقيق أحمد شاكر، مصطفي البابي الحلبي – مصر، ط 2، 1975 م.

* وربما يوحي عدم تصديق قانون تعدد الأحزاب من 1969 إلى الآن سيطرة عقلية اللون الواحد للحكم.

 

[2] The Federal Republic of Somalia Provisional Constitution, August, 2012, Mogadishu, Somalia, P 30.

[3] . المرجع نفسه

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B1%D8%AF_%D9%81%D8%B9%D9%84_(%D9%81%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%A1). [4]