قصة قصيرة* (مانديق فى القاهرة)

عبد الرحمن شيخ محمود الزيلعى: كاتب صومالي

 مانديق عاشت فى دلع ورفاهية ، سيارة الجيب تأخذها من والى المدرسة … إنها كائن حى تقر بها العيون ، فى المشى كالمها..كالرخام الحريرى فى اللون… تنعكس منها ضوء الشمس وقطرات الماء…هى إبنة  لضابط من القوات المسلحة… أفل نجم الحكومة … تحولت الأوسمة والنياشين الى جمرة  تحرق  كبد أصحابها تحولت البدلة العسكرية الى كبريت يشعل الجسد ..كان ضابط تهيب منه وحدات الجيش ,…ضابط  قلدت الأوسمة و النايشين.. اليوم مدنى  يشارك بجلسات العشيرة….. مانديق  بلغت الحلم ، تغيرت حياتها إستسلمت للواقع هى الساعد الأيمن لوالدها ، فتحت محل  تجارى فى سوق بكارى لسد حاجات الأسرة, تصحو فى الصباح الباكر مع يقظة الطيورمن عشها وترجع مع الطيور فى أوصالها ,حياتها بين الغدو والرواح … يصاحب والدها أحياناً لإطمئنانها وحرسها عن الذئاب البشرية التى لا تترك هذه الغزالة البريئة ،……كانت بشوشة رقيقة ورشاقة المظاهر ما أجمل حين تمشى وتضع أصابع الأقدام على رمال الأرض…. شعرها الذهبى يداعب بعضها بعض ..ما أجمل إبتسامتها البريئة.. كأنها كوكب يضئ, .للأسف تعثرت حياة أسرتها و تسوء أحوال البلد…..الهجرة كانت قرارها الأخير..  أخذت حقيبتها و سافرت ، أول يوم خرجت من حضن والدها .. خرجت من البيت والدموع تداعب رموش عينيها ، يودعها الجميع … والديها على ربوة قريبة.. كلما دارت  نظراتها نحووالديها تتذارف دموع القلب لتروى أغصان جداره..جلست بجوار الشباكة ترى  وقوف والدها الحزين الى جوار السيارة….. ودعت مقديشيو ، وشوارعها…  وودعت حى هدن التى ترعرعت فيها… تنسمت بنسيمها…. ودعت  مدرستها المدمرة المتهالكة التى حولتها الحروب الى أطلال وأشباح … ترى من النافذه عجوزة تسكن فى كوخ بجوار المدرسة قيل أنها سعيدة… كانت سيدة معروفة لدى التلاميذ…. كانت تبيع أيس كريم والبطاطا أمام المدرسة ,تذكرت مانديق  أيام تجلس الى جوار السيدة وتاكل البطاطا , بكت لمدرستها و لزبينتها ، غادرت وإرتحلت من بلدها …. طريق سفر طويل ينتابها الخوف أحياناً, قطاع الطرق ملتوية فى الغابات سألت نفسها متى  تتعرض لإغتتصاب,متى  تقع فى قطاع الطرق ,دخلت كينيا… وصلت نيروبى….  عاشت أيام وليالى،ثم غادرت الى يوغندة, لم تبت كثيراً دخلت الى السودان برا, إكتحلت عيونها بغابات جوباً, شاهدت اهالى السودان ، عاشت أيام مع وهج الشمس لم تستقر لوعتها ، لا تعرف أحداً…. معها فى السفر فتاتين  ..  ، عبروا شمال السودان الوجه نفس الوجوه ، والسمرة نفس السمرة … توقفت رويداً سألت نفسها هل أنت  فى الصوما ل تلتف يميناً وشمالاً …تنفست وهى فى اسوان… مشت شوارع أسوان …ثم من أسوان  إلى القاهرة …. دخلت مانديق  وزملائها القاهرة ، الفسطاط ، قاهرة المعز….  نزلن  من محطة رمسيس…رحبوها وسكنوها فى شقة بمدينة نصر مع عشرة من زميلاتها ، لم تأخذها لوعة الغربة ،..  فى أول ليلة حين أوت الى فراشها نزلت عليها الأوهام والذكريات كانت تتحاور مع عقلها الباطنى وشعورها الوجدانى، كانت تسأ ل كيف تكون مدة بقاءك فى القاهرة..عاشت أيام وشهور.

. ذهبت  ذات مساء الى مقهى الإنترنت كان فى أسفل العمارة…بدون حس   جلس بجوارها شاب وسيم حكايته نفس حكايتها… شاب مهمون ، كان الإبن الوحيد لوالد يه بعثاه إلى القاهرة ..جلس بجوار الفتاة عرف ان مرأة القلب مكسرة … لاحظ شعورها عرف أنهما فى وجدان واحد, واصل ملاحظاته ، قامت وأغلقت الجهاز قام واغلق الجهاز تابع خطواتها وكأنه أسد وراء غزالة برية, سلمها فردت حكى لها فحكت له ,عرفت انه هى وعرف انها هو… شعورهما واحد, تبادلا المواسات ثم الإبتسامات …  لم يكن خطابهما خطاب العشق والورود بل خطاب الأزمات خطاب المهلكة والمأساة …تعارفا وقلوبهما تنزف دماً وعيونهما دموعاً وودع كل منهما الأخر  بوداع أليم وبدعوات يدعو كل منهما للأخر .

وبعد ذالك اليوم لقاءات ومواعيد متجانسة..أحاسيس وقلوب تتقارب عواطفها وأشواقها

وثمار لقاءهما أثمر بزواج وهجرة…زواج لم يكن إرادة بل قدر

عينها تذرف دموعاً وقلبها دما وجسمها عرقاً ، حين نجح الشاب أن يفك سرها وإرادتها وأقنعها بأمنياته الورد ية…و تزواجا عرفيا ًودخلا حياة نسى  كل منها كدمات الأيام ، متكئين بعضهم بعضا …. أيام وأينع عشقهما وغرامهما بالزواج تحيطه المغامرات ، إستعدا لسفر طويل ، خرجا من القاهرة الى سوريا ثم تركيا  وفى هذه اللحظات جوهرة تتحرك فى أحشائها ، علمت انها أول مرة تشعر لؤلؤ يتحرك فى جوفها ..إقتربت الى حبيبها تهمس  على أذنيه  بإستيحاء تقول له..”إبنك يلعب فى جوفى..  وردة الحياة أنبتت من رحمى بعد ان إرتوت ماء الحياة”  تزقزق زقزوقة وحينها تسأل مصيرها ومصير المولود القادم بل تكتظى ما فى وجدانها ,وهو يسأل مصيره ومصير المولود القادم ، بل يكظى شعوره  …  قبل أن تكتمل شهر التاسع واصلا السفر  الى اليونان …إستوا على قارب بضفاف ساحل  مجهول.. رحلة مغامرة..  إحتضنا مع البعض ، إلتحما كالنسيج واحد إستعدا ان يلقيا الموت مرة واحدة, تعهد كل واحد منهما أن يصاحب صاحبه فى اللحد.

بعد ساعات تلاطمت الأمواج وتصاعد موج على موج, لا ساحل ولا جهات…..  الحبيبان على جانب القارب ,غربت الشمس ومع ظلام الليل تمر الأمواج مر السحاب مازالا ملتحمين يريدان أن يرغدا   فى لحد واحد إذا جاءت أجلهما فى أرض لا تدرى نفس … وفى ليلة ظلماء تزامل ظلام الليل وظلام البحر وظلام الأمواج ، تتلاشى لوحات القارب وأصبح الركاب هباء… مسكت مانديق  وحبيبها على  لوح تلا مطها الموج وتفرق الحبيبان …هى فى الشهر التاسع  تتمخض فوق الأمواج, حبيبها  فارق الحياة وحملته الأمواج الى بر لاتدركها الأبصار ,طلعت شمس النهار .. وبعد غروب الشمس فاجئت قافلة تجوب  البحر شئ غريب يبدوا على شكل انسان, فنزل منها الملاحين  فعرفا أنه بنى أدم وأنها أمرأة وحاملا  وقدموا لها علاجاً إسعافياً وعلما ان قارب غرق فى هذا البحر فأتصلا بالقوات البحرية اليوناينة لبحث الجثث وإنقاذ ما يتم إنقاذة ، فوصلت القوات البحرية الى المنطقة . ومانديق فى المستشفى الخاص… دفنت كل الجثث وعاد الوعى للمنكوبين …  بعد أيام تمخضت مانديق وأنجبت ولداً وعادت حياتها طبيعياً … بدأت تسئل الناس عن الركاب وعلمت أن معظم الركاب  ماتوا ودفنوا ومن بينهم زوجها واب هذا   المولود البرىء الذى لم يحظى  أن يرى والده حيا أو ميتا… عرفت أنه مضجع فى لحده وحيدا… زارت مقابر المهاجرين تحمل إبنها  ووردة  تنوى أن تضع على قبر زوجها … وضعت إكليل الزهور  وقرأت عليه الفا تحة وهى تسمح الدموع من مولودها ولا تدرى أن عينها تذرف قطرات ساخنة  من مقلة ذابلت أغصانها.. والى الراحلين سلاما.

*من مذاكرات طالب البعثة