قراءة في خطاب أمير دولة قطر حول الأزمة الخليجية.

في نهاية الأسبوع الماضي ، فى اليوم الواحد والعشرين من شهر يوليو لعام 2017 م ألقى سمو أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد خطابا مميزا حول الأزمة الخليجية الأخيرة ، والتي كان عنوانها البارز ، الحصار الكامل الذي تعرضت له دولة قطر من شقيقاتها الثلاثة في الخليج + مصر ، وكانت هذه سابقة في تاريخ المنطقة ، وفي تاريخ دول مجلس التعاون الخليجي ، ولكن الملاحظ ، أن الحصار لم يأتِ ثماره ، ولم تجر السفينة كما اشتهتها دول الحصار ، بل نجحت دولة قطر بكل هدوء احتواء الموقف ، كما نجحت أيضا في استثمار الحصار محليا وإقليميا ودوليا لتجعله كاشفا أخطاء دول الحصار ، ومن هنا خرجت دولة قطر من هذه الورطة بأقل الخسائر حتى الآن ، وهذا هو العمل السياسي حين تكون الرؤية واضحة ، والجبهة الداخلية متماسكة ، والثقة بالنفس قوية ، بيد أن ثمة أسئلة تأتي في هذا الإطار ، لماذا الخطاب الأميري جاء متأخرا ؟ وماذا حمل الخطاب من مضامين سياسية ؟
لدينا في هذا الزمان العربي الإستثنائي خطاب سياسي صار معروفا في رداءته السياسية ، وخلوه من المضامين المعرفية ، وبعده عن المبدئية السياسية ، بل ونلاحظ في غالب الأمر خطابا عفويا وارتجاليا ، وبعيدا عن أساليب اللغة العربية في الخطاب ، فهذا النوع من الخطاب ظهر في سوق الإعلام العربي بعد ظهور الثورة المضادة التي بدأ فشلها من يوم إعلانها.

مواصفات الخطاب الأميري.
————————-
لقد استمعت إلى خطاب سمو أمير دولة قطر بأعصاب هادئة في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ الأمة ، حيث رأينا التهييج والإنقسام الحاد في العالمين العربي والإسلامي ، وتبين لي بعد ذلك بأنني أمام سياسة جديدة تبلورت في العقدين الماضيين في هذه المنطقة الهامة في الخريطة الدولية ، وتميز الخطاب بمواصفات عدة وهي:

-1   القراءة الهادئة لمجريات الأمور داخليا وخارجيا ، فلم يكن الخطاب عدوانيا كما هو معهود من خطابات الدول المحاصرة ، بل كان غاية في الهدوء ، وتناول القضايا من رؤية هادئة ، ولَم يكن كذلك خطابا عفويا ، بل كانت كل كلمة تخرج في لحظتها ، وتأخذ مكانتها من خطة هندسية محكمة ، فالهدوء في الخطاب كان سيد الموقف ، ومن هنا اختلف هذا الخطاب كليا عن الخطاب العربي الرسمي الذي يؤجج الصراع ، ويفتعل المشكلات.

-2  التوازن في الخطاب الأميري كان ملحوظا بشكل كبير ، التوازن ما بين الشكل والمضمون ، فلم يكن الخطاب قويا من حيث الشكل ، وضعيفا من حيث المضمون كما هو شأن كثير من خطابات السياسيين ، بل رأينا خطابا سياسيا متوازنا يجمع بين المبدئية السياسية ، والمصلحية البرجماتية ، كما جمع الرجل في خطابه ما بين القيم النبيلة في الدين الاسلامي والعادات العربية ، وما بين القيم العالمية ، فهذا النوع من الدمج كان واضحا في خطاب الأمير مما يدل علي سعة ثقافة الأمير ، وعدم انغلاقه في ثقافة معينة .

-3  التماسك الشخصي والموضوعي ، فهذا كان واضحا في خطابه المتماسك الذي ينبثق من ثقة كبيرة علي الذات ، ومن وعي عميق للموضوع ، فلم يجاول أن يلقي خطابا ارتجاليا ، بل خطط لخطابه ، وارتفع عن الدنايا بشكل عجيب ، فلم يستخدم في حق الغير كلمة نابية ، بل حاول أن يستخدم الألفاظ الجامعة ، وحين انتقد الوضع ، ومن كان وراء الوضع ، استخدم أيضا لغة متقدمة جدا فى النقد ،ولهذا يمكن أن نقول ، إن الرجل ظل في كل محطات الأزمة متماسكا ، ومن هنا ظهر خطابه أيضا متماسكا من حيث الموضوعات التي تم تناولها في هذا الخطاب القصير ، فقد تناول جل الأحداث التي صاحبت الأزمة ، ولكن من زاوية سياسية مختلفة ، وبلغة فكرية عميقة ، قل أن تجد لها مثيلا في خطابات السياسيين الرسميين الذين قد لا يتقنون اليوم في نطق كلمة فصيحة.

-4  الدفاع عن القضايا العادلة لأمتنا بحرفية سياسية ، فهذا كان من عبقرية خطاب الأمير حيث استطاع الرجل أن يفرق في خطابه ما بين المقاومة المشروعة التي تناضل في استعادة استقلال أوطانها ، والإرهاب الذي يستخدم الدين والقضايا العادلة لتحقيق أهداف سياسية ، كما أن الرجل تناول في خطابه عدم الرجوع إلي الخلف ، وخاصة فيما يتعلق بقضايا الحرية ، والوصول إلي المعلومة بشكل صحيح ، فلا مكان في هذا العصر لمن يفكر أن يحتكر المعلومة ، ونحن نعيش في لحظة انفجار المعرفة .
لقد دافع الرجل في خطابه عن حرية الإعلام ، فلا نهضة بدون معرفة ، ولا معرفة صحيحة بدون حرية ، فالحرية هي الأساس في نهضات الشعوب ، ومن هنا سلك الرجل في خطابه مسلكا صعبا ، فقناة الحزيرة وأشباهها يجب أن تظل في سوق الإعلام ، فهي مع أخواتها تسعى في نقل المعلومة إلى الناس ، وهذا حق من حقوق الإنسان كفلتها الدساتير والقوانين في الدولة الحديثة.

-5  لقد اختار الرجل كلماته بعناية ، فقد أعلن في خطابه سياسة دولة قطر الخارجية وهي تستند إلي ركنين أساسيين وهما ، عدم التنازل عن سيادة قطر كدولة مستقلة ، ولا تقبل في هذا من أحد أن يحاول في إكراهها لتاخذ قراراتها بعيدا عن الإرادة الداخلية ، أما الأمر الثاني فهو عدم تدخل قطر في الشؤون الداخلية للدول ، ولكن الدول المحاصرة لقطر سعت ، وما زالت تسعى أن تتنازل قطر عن سيادتها ، وإن تقبل الإكراه السياسي لهذه الدول ، والتي أثبتت فشلها من بحر العرب حتى البحر الأبيض المتوسط.
في خطاب الرجل لغة ناعمة سياسية تدل علي النضج السياسي ، ووعي سياسي راق يدل علي قراءة الرجل لمجريات الأحداث في العالم ، فهو يفهم أن الغرب ليس واحدا ، هناك غرب يعادي الإسلام وقضايا العروبة ، ، وقد يكون متنفذا في بعض الأحيان ، ولكنه ليس هو الطاغي في الشارع الغربي ، فمكانه الطبيعي هو ( الهامش ) ، ولكن هناك غرب آخر ، له مبادئ وقيم ، ومصالح وأعمال ، ويقرأ الأحداث بشكل مختلف ، ومن هنا اختار الطرف الآخر القوى المعادية للعروبة والإسلام لضرب قضايا العروبة والإسلام ، بينما الرجل في سياساته الناعمة ، وفي علاقاته العنكبوتية ، وفي قراءاته الهادئة اختار القوى الحقيقية ، وتعامل مع الدول بكل حرفية ، فنجحت سياسة دولة قطر في تحييد الولايات المتحدة الأمريكية ، لأنها استفادت من الأجنحة المختلفة في هذه الدولة العظمى من البيت الأبيض ، ومن الخارجية الأمريكية ، ووزارة الدفاع ، وأحسنت التعامل ، فقدر الأمير في خطابه هذا بأسلوبه الخاص.

-6 في خطاب الرجل موقف سياسي واضح ، وهو أن دولة قطر لا تمثل تيارا معينا في سياستها الخارجية ، فهي دولة ، وليست حزبا ، وتمثل رؤية ، ولا تمثل طائفة ، ومن هنا وجدنا في هذا الخطاب أن الرجل تجاوز عقدة الدولة في العالم العربي ، فقد كان خطابه متقدما جدا في هذا المجال حيث حاول أن يُبين بأن الدولة الحديثة ليست لطائفة معينة ، ولا لتيار معين ، ولا حتي لأتباع دين معين ، فهي دولة المواطنة .
إن الرجل في هذا الخطاب الإستثنائي ، في هذه المرحلة الإستثنائية انطلق من رؤية تختلف عن رؤية الدول المحاصرة ، ذلك لأن الدول المحاصرة تنطلق من محاربة الربيع العربي ، ووأد الثورة التي انطلقت من تونس لتحرير الإرادة العربية من الإستبداد ، بينما الرؤية القطرية تنطلق من ضرورة الإنحياز لثورات الشعوب ، فهي على موعد مع المستقبل ، بينما الدول المحاصرة تشبث أن لا تبتعد عن التاريخ.

-7  لم يحاول الرجل إخفاء الحقيقة عن الشعب القطري ، فقد تناول في خطابه قسوة الحصار ، وشدته علي الشعب القطري ، وعلي سائر الشعوب في هذه الدول الخليجية ، ولكنه تحدث كذلك عن نجاح سياسي تحقق لحكومته وشعبه ، فلم يقع فريسة لهذا الحصار الظالم ، بل استطاع الشعب القطري أن يواصل رفاهيته بشكل عادي ، ولكن هذا الحصار أيقظ الحس الوطني في أبناء الشعب ، ومن هنا وعد الرجل بأن ثمة تخطيط يجعل هذا الوطن الصغير في حجمه ، والكبير في عمله ، مكتفيا ذاتيا ، وهذا عمل شاق ، ولكن دولة قطر بما تملك من إمكانيات هائلة ، ومن علاقات دولية ناجحة ، فإنها تشق طريقها بنجاح.

-8  نجح الرجل كذلك في خطابه أن يقدم شكره لمن أحسن إليه من الدول والشعوب ، فقد شكر للدول التي لديها رأي عام ، واختارت أن تكون سندا للحقيقة ، كما شكر للدول الغربية التي لم تقلب تشويه الحقائق من بعض الدول المحاصرة لقطر ، وتقدم بالشكر الخاص لدولة تركيا التي قررت فى الوقت المناسب أن تهب لنجدة قطر ، ولم ينس الرجل أن يشكر للدول الفقيرة التي رفضت الرشاوي ، وغلبت في سياساتها المبادئ على المصالح ، ومن خلال الكلمة ، أعلن الرجل الفشل الذريع للمال السياسي الذي أخطأ طريقه فى تلمس القوى التي تناصر الحقيقة.

-9  في ما وراء الخطاب قراءة سياسية أخري وهي ، أن قطر نجحت لسببين ، وهو أن الرجل ، ومن قبله والده اختارا طريقا جديدا في بناء الدولة ، والسبب الثاني هو أن قطر عرفت حجمها كدولة صغيرة ، ولكن عرفت بأن قيمة الدولة في العصر الحديث ، ليست في الحجم ، وإنما هي الخيار ، فقد اختارت بناء القوة الناعمة من المال ، والإعلام ، والرياضة ، والبحث العلمي ، وبناء المؤسسات الفكرية والسياسية.
إن دولة قطر اليوم هي الدولة التي تعرف في العالم أنها الدولة التي سوف يجري فيها مباريات الكأس العالمي لعام 2022 م ، وهي الدولة التي أسست أهم شبكة في الأخبار والرياضة ( الجزيرة ) ، وهي الدولة التي تملك أهم شركة طيران في العالم ، ولديها أعلي دخل في العالم ، كما أن لديها نظام صحي متقدم ، فهي الدولة الرابعة في العالم ، والأولي في العالم العربي ، بل ولديها نظام تعليمي متطور ، فهي الدولة الأولي في العالم العربي ، ويصنف النظام التعليمي القطري العشرة الأولي في العالم .

لقد تناول الرجل في خطابه كل هذه النجاحات بلغة متواضعة ، ولكنه كان على ثقة كاملة بأن هذه النجاحات هي التى تخلق للشعب القطري العداوات ، فكم كان الرحل هادئا في خطابه ، ومتوازنا في كلماته ، وعقلانيا في أسلوبه ، وحكيما في اختيار كلماته التي تخرج من لسانه بحذر ، وبحنكة.
إننا ، وبدون تملق سياسي ، نري بأن يكون هذا الخطاب مادة أساسية في الكليات السياسية ، والمعاهد المتخصصة فى العلوم السياسية ، فقد نجح الرجل فى تطوير خطابه السياسي بشكل يناسب مع لغة العصر دون أن ينسى قيمه وأعرافه ، وقلت في ليلتها ، فالحمد لله ، فليس العالم لغيرنا دائما ، بل لدينا ما نقول لنقنع الآخرين ، وما زال لدينا رجال يصنعون التاريخ .
اللهم احفظ المسلمين أينما كانوا من الضياع والتيه . آمين

تغريدة للشيخ عبدالرحمن بسير سليمان

تواصل معنا عبر هذا الإيميل:

Somaliatoday2006@hotmail.com