التوتر السياسي بين قادة الحكومة الصومالية والمعارضين لها بحاجة إلى تسوية

تمهيد

في أول مقابلة صحفية أجريت مع السياسي عبد الرحمن عبد الشكور بعد دقائق من تغلب الرئيس الحالي محمد عبد الله فرماجو على منافسه في التربع على سدة الحكم حسن شيخ محمود أعرب بصراحة أنه لا يوجد بين الأحزاب المعارضة المصفقة للتغيير برنامجا سياسيا متفقا عليه، مؤكدا في الوقت ذاته بأنهم أجمعوا فقط على الإطاحة بالرئيس الحالي ما يعني أن تغريدهم وتصفيقهم للمرشح الفائز في الانتخابات الرئاسية سرعان ما يضمحل ويتلاشى لمجرد ملاقاته  بأي صعوبة من مصاعب السياسة التي ربما تواجه الرئيس في ظل قيادته للحكومة الآتية.

وهذا ما حدث حينما وقفت الحكومة الصومالية الفيدرالية موقف المحايد من الحصارالذي فرضه التحالف الرباعي على دولة قطر في منتصف العام الماضي بعد توجيه جملة من الاتهامات إلى دولة قطر التي تمكنت بجهود قادتها الحثيثة وجولاتها المكوكية إلى أصقاع العالم باقناع الدول ذات النفوذ الكبيرة إلى عدم الاصغاء بهذه الإدانات التي أعرب وزير الخارجية القطري حينها بأنها عديمة المصداقية، وأنها تهدف إلى تدمير دولة قطر وإرغامها على الانصياع لشروط وإملاءات هذه الدول المتحالفة لعدوان قطر حسب قوله.

الحكومة تضيق ذرعا لحملات المعارضة السياسية ضدها:

بعد صمت دام شهورا عدة ضاقت الحكومة الصومالية ذرعا لحملات المعارضة السياسية ضدها فقامت بتصعيد التوترالسياسي بينها وبينهم وذلك بقيام النائب العام تقديم طلب لرفع الحصانة من نائبين إلى رئيس البرلمان الصومالي محمد شيخ عثمان جواري الذي أصدر بعد مشاورات حادة بينه وبين اللجنة الدائمة للبرلمان الفيدرالي بيانا صحفيا أعرب فيه بتوقيف هذا الطلب من النيابة العامة لأسباب موضحة في البيان الصحفي.

وقامت عناصر من هيئة المخابرات الوطنية في شهر ديسمبر الماضي بشن هجوم ليلي  أسفرعن مقتل عدة أشخاص على منزل السياسي عبد الرحمن عبد الشكورالذي أتهمه النائب العام بالعمالة لدول أجنبية لم يسمها وحياك مؤامرة ضد االدولة الصومالية.

وصرح النائب العام في مؤتمرصحفي عقده لوسائل الإعلام في مقديشو بحضور وزير الأمن القومي والناطق باسم وزارته وقادة أجهزة الأمن بأنه سيتم محاكمة المتورطين في حياك المؤامرة ضد البلاد أمام مؤسسات القضاء، منوها بأن النيابة العامة لديها وثائق تؤكد بتورط بعض من السياسين الصوماليين في خيانة وطنية.

غير أن هذا أدى إلى خلاف جديد بين النائب العام وبين محكمة محافظة بنادر التي قامت في المقام الأول باستماع الدعوى ضد عبد الرحمن عبد الشكوروذلك بعد إصدارقاضي المحكمة قرارا بافراج السجين السياسي، معلنا في الوقت ذاته بأنه لا يسمح للنيابة العامة الذهاب إلى محكمة استئنافية، الأمرالذي رفضه النائب العام أحمد على طاهر جملة وتفصيلا، لاعتقاده بأن قرار محكمة محافظة بنادر الجنائية مخالف للقانون.

المعارضة  تصطاد في هذه الممارسات

بعد مضي فترة وجيزة من تنصيب رئيس الجمهورية الصومالية وتعينه رئيس وزرائه الذي شكل هو الآخر مجلس حكومته أخذت المعارضة السياسية في الصومال لسبب أولآخر بأن تتحين الفرص وأن تنظر فعاليات الحكومة بمنظار قاتم يجعل النملة فيلا، وأن تبالغ بشكل سيئ يثر المجتمع الصومالي على ما تصفه بزلات وأخطاء ترتكب عليها الحكومة الصومالية بقيادة محمد عبد الله فرماجو بدءا من موقفها الحيادي حول الأزمة الراهنة في الخليج العربي ومرورا بتسليمها القيادي من جبهة تحرير أوغادين )قلب طغح( إلى إيثوبيا المجاورة، كما قامت المعارضة في الوقت ذاته بتشكيل تكتلات سياسية معارضة، وعقد مؤتمرات ضد الحكومة الحالية في هذا البلد أوذاك لسحب البساط من تحت أقدام القادة العليا في الحكومة الصومالية الفتية التي ما زالت تتعرض مصاعب جمة من مقاتلي حركة الشباب المناهضة لجهود الحكومة الصومالية الرامية إلى إعادة الاستقرار في هذا البلد الذي أنهكته الحروب الأهلية.

وتتهم المعارضة السياسية على القادة في الحكومة الاتحادية بعدم خبرة إدارية وسياسية تؤهلهم إلى إنقاذ البلاد من صراع التحالفات الإقليمية والدولية التي تطرأ في المحافل مرة تلو الأخرى بالإضافة إلى التصرع في اتخاذ القرارات المصيرية بدون دراسة عميقة ومشاورات مكثفة تجري مع الوجهاء والعباقرة وكل أريب يجيد في تسوية القضايا الحساسة.

وترى المعارضة أيضا بأن هيئة المخابرات الوطنية صارت آلة يستخدمها ولاة الأمور لكبت المجتمع الصومالي وتكميم أفواهه، وأنها تقوم بأمر من رئيس الجمهورية الصومالية ووزيره الأول بارتكاب جرائم قتل وقمع ضد السياسين والنواب المعارضين لسياسة الحكومة الحالية منتهكة بذلك الحرية الديمقراطية والحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور للمواطن الصومالي.

وتدعو المعارضة البرلمان الصومالي بغرفتيه إلى تشكيل لجنة مستقلة تجري تحقيقا شاملا على الاعتداءات والجرائم العشوائية التي ترتكبها هيئة المخابرات الوطنية ضد المواطن  الصومالي خصوصا الهجوم الذي شنته مؤخرا على منزل كل من السياسي عبد الرحمن عبد الشكور، ومنزل النائب في مجلس الشيوخ الصومالي الجنرال عبد حسن عوالي قيبديد.

 

استمرار الخلاف السياسي يعيق التقدم الأمني والاقتصادي

استمرارهذا الخلاف بين قادة الحكومة الصومالية والمعارضة السياسية يعيق التقدم الأمني والاقتصادي المنشود،ويدفع العجلة إلى الوراء لأن الحكومة تحاول بكل ما أوتي لها من قوة في تفتيت عضد المعارضة السياسة التي تبذل جهودا جبارة في سبيل تشويه صورة الرؤساء وإجهاض منجزاتها السياسية والأمنية والاقتصادية ليسنى لها في المطاف الأخير بأن تتغذى في النظام الحالي قبل أن يتعشى بها.

وتنسى الحكومة في ظل هذه الحملات السياسية المغرضة بتأدية الواجب الوطني والمسؤولية الملقاة على عاتقها لأنها تكرس جل أوقاتها في إيجاد مخرج للقضاء على هذه الحملات السياسية، ولربما يؤدي هذا في بعض الأحيان إلى إراقة دماء كثير من الأبرياء.

نظرية الوجهاء في إيجاد حل لهذا الخلاف السياسي

ومن الحلول التي يقدمها الأعيان إلى الحكومة الصومالية التحلي بالصبر وغض البصر عن كثير من ممارسات الأحزاب السياسية المعارضة والاستفادة عن كثيرمن الاتهامات الموجهة للحكومة محاولة بتصحيح المسارعلى ضوء أفكارالمعارضة غير الهدامة، وذلك لاعتقادهم بأن هؤلاء أحزاب معارضة غير مسلحة تحاول بتولي مقاليد السلطة عبر أصوات أعضاء البرلمان الفيدرالي الذي انتخب القادة الحالية للتربع على سدة الحكم سابقا.

ويرى الوجهاء والأعيان بأن اللجوء إلى المحاكم في الوقت الحاضر يعكرالأجواء السياسية والأمنية في البلاد نظرا لهشاشة القضاء الصومالي وحاجته الملحة إلى إصلاح جذري يعيد للقضاء هيبته ونزاهته وثقته لدى المجتمع الصومالي برمته قبل محاولته بفض الخصومات الدائرة بين السياسين المهرة في إثارة النعرات القبلية ما لم يقتنعوا بالحكم الصادرمن القضاء.

ويضيف الوجهاء بأن القضاء الصومالي يعاني حاليا من ضعف الصمود أمام الباطل وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وتطبيق العدالة بشكل نزيه وبعيدعن الفساد والرشاوى والمحسوبية.

ختاما

يشعر المواطن الصومالي الذي اكتوى سابقا بجحيم الحروب الأهلية التي حصدت نخبة أبطاله بقلق كبيرأمام مصيره السياسي، حيث يرى أن الحكومة التي علق عليها آماله الكبيرة تنهار بأيدي ساسة صومالية تحترف بتبادل الاتهامات في قضايا بسيطة لا تحتاج إلى عناء كبير، ساسة لا تعطي وزنا لما عليه الشعب الصومالي من ويلات ومحن وكوارث طبيعية تزداد يوما تلو الآخر منذ إنهيار الحكومة المركزية في الصومال عام 1991م.

ويدعو المواطن جميع الجهات المعنية في الخلاف السياسي المتصاعد بين أصدقاء أمس إلى احترام الرأي الآخر ونبذ الخلاف بطرق حكيمة والجلوس على مائدة المفاوضات لإيجاد حل ينهي التوتر السياسي الذي شهدته الصومال في الشهور الأخيرة، كما يدعو المواطن البرلمان الصومالي بغرفتيه إلى محاولة تذليل العقبات أمام إيجاد حل ملموس لهذا الخلاف المحتدم قبل أن تبلغ السكين العظم.