التفاهم السياسي بين ولاية غلمدغ وتنظيم أهل السنة في جيبوتي

تمهيد

ما أن انتخب البرلمان المحلي لولاية غلمدغ في أوائل شهر يوليو عام 2015م  للسياسي المدعوم من قصر الرئاسة الصومالية عبد الكريم حسين جوليد رئيسا لولاية غلمدغ بحصوله على 49 صوتا في الجولة الثالثة من الانتخابات الرئاسية للولاية، حتى رفض تنظيم أهل السنة الحاكم في مدينة طوسمريب بنتائج تلك الانتخابات لاعتقاده بأنه جدير بتولي إدارة الأقاليم الوسطى التي خاض لحمايتها من أيدي حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة حروبا ضارية فقد فيها التنظيم كثيرا من قادته الميدانيين الذين ضحوا أنفسهم للحيلولة دون سقوط الإقاليم الوسطى في قبضة مسلحي حركة الشباب التي كانت تطمح إلى سحب البساط من تحت أقدام الإدارات الأخرى المناهضة لأهدافها الرامية إلى بسط سيطرتها على معظم المحافظات الصومالية.

ومنذ ذلك الحين كان الخلاف والتراشق الإعلامي بين الجانبين يحتدم تارة تلو الأخرى إلى أن أطاح البرلمان المحلي لولاية غلمدع بالسياسي عبد الكريم حسين جوليد وسط اتهامات كثيرة وضعت على عاتقه تبريرا لإقالته من منصب الرئاسة التي آلت فيما بعد إلى النائب السابق في البرلمان الفيدرالي أحمد دعالى جيلى حاف الذي أعرب إثر فوزه في التربع على سدة حكم ولاية غلمدغ بأنه يبذل قصارى جهده من أجل تسوية الخلاف بين إدارته وتنظيم أهل السنة والجماعة برئاسة شيخ محمد شاكر.

 لفتة تاريخية بفشل محاولة الحكومة لتقريب وجهات النظر بين الجانبين

في شهر أبريل من هذا العام قامت الحكومة الصومالية برئاسة محمد عبد الله فرماجو محاولة لتقريب وجهات النظر بين حكومة غلمدغ وتنظيم أهل السنة والجماعة، حيث دعت رؤساء الجانبين إلى المشاركة في مؤتمر تعقده وزارة الشؤون الداخلية في العاصمة الصومالية مقديشو.

وصل ممثلوا ولاية غلمدغ إلى العاصمة استجابة لدعوة الحكومة الصومالية كما قام زعيم تنظيم أهل السنة والجماعة والوفد المرافق له كذلك، ولكن انتهت هذه المحاولة بالفشل بعد أيام من مباحثات غير مباشرة، لوضع الجميع عراقيل كثيرة أمام دفع عجلة التصالح إلى الأمام.

واتهم رئيس مفاوضي ولاية غلمدغ عثمان محمد على آنذاك تنظيم أهل السنة والجماعة بوضع العراقيل أمام جهود الحكومة الصومالية الرامية إلى إيجاد حل للمأزق السياسي الراهن في الأقاليم الوسطى.

وأشارعثمان بأن تنظيم أهل السنة والجماعة هو المسؤول وراء تعثر جهود المصالحة، غير أن تنظيم أهل السنة نفى هذه الاتهامات الموجهة نحوه جملة وتفصيلا.

من جانبها أصدرت الحكومة الصومالية بيانا صحفيا موجزا دعت فيه الجانبان إلى وضع حد للخلافات السياسية نظرا للمشاكل التي يزرح فيها سكان الأقاليم الوسطى.

بواعث هذا التفاهم بين الجانبين

يرى البعض بأن هذا التفاهم بين الخصمين في الإقاليم الوسطى لم يأت عن طريق الصدفة، وإنما عن تضافرعوامل متعددة أهمها:

1 : ضغوط إقليمية قامت بها الحكومة الجيبوتية نيابة عن الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) والتي لبت لطلب من مسؤولي الحكومة الصومالية الفيدرالية يدعو إليها بقيام دورحيادي في الخلاف المحتدم بين ولاية غلمدغ وتنظيم أهل السنة والجماعة، وذلك بعد فشل المباحثات التي كانت الحكومة الصومالية ترعاها في العاصمة الصومالية خلال شهر أبريل في العام الحالي.

2 : شعور وجهاء ومنظري أهل السنة قلقا كبيرا حول مصيرهم السياسي نتيجة تآكل نفوذهم في الأقاليم الوسطى بعد سيطرة مليشيات عشائرية موالية لغلمدغ على مدينة عابدواق الرئيسية، وفقد أهل السنة أيضا منطقة حرالي التي خاضت فيها معارك شرسة انتهت في المطاف الأخير إلى أن تنفض مليشيات أهل السنة أيديها من رجاء السيطرة عليها.

3 : تزايد احتقان سكان المناطق الخاضعة لمليشيات تنظيم أهل السنة والجماعة لاعتقادهم بأنهم صاروا معزولين عن بقية المناطق الصومالية في ظل هذه الإدارة التي تلوح عصا غليظة لكل من لا يتخندق مع وجهتها، سيما سياسي السكان ورجال الأعمال وكل من يعتقد بأنه يقدر أن يحرك ساكنا.

4 : بذل رئيس غلمدغ أحمد دعالى جيلى حاف جهودا جبارة في سبيل تسوية الخلاف بين الجانبين خوفا من نفوذ حركة الشباب المتزايدة في المناطق النائية من محافظة جلجدود ومدغ وذلك بعد تناقل المواقع الإعلامية الصادرة باللغة المحلية معلومات مفادها تغلغل عناصر من مسلحي حركة الشباب في أدغال جلجدود فرارا من الضربات الجوية التي تمارسها المقاتلات الأمريكية ضد قواعد حركة الشباب الموالية لتنظيم القاعدة.

قراء ة على أهم بنود التفاهم:

حصلت وكالات الأنباء نسخة من بنود التفاهم السياسي بين الجانبين ويبدو من هذه المواد المعروضة للصحافة شكوكا كبيرة تساور مسؤولي الطرفين ربما تقلب مجرى الأوضاع السياسة بين عشية وضحاها ما لم يحاول الرؤساء ترسيخ دعائم الثقة بين الجانبين قبل فوات الآوان.

ومن هذه المواد التي نلمس فيها انعدام الثقة بين الخصمين إضافة رئيس وزراء من أهل السنة في سلم مناصب ولاية غلمدغ بدون حذف المناصب الاعتيادية المشهورة في هيكل إدارة حكومة غلمدغ التابعة، وتخصيص تنظيم أهل السنة بتولي رئيس المحكمة العليا، وتقسيم القيادات العليا للقوات بالمناصفة مع رعاية الحصص القبلية لسكان ولاية غلمدغ.

يحظى رئيس الوزراء بسلطة إدارة جلسات حكومة غلمدغ وتقديم برامج الحكومة ومسوداتها الدستورية إلى رئاسة البرلمان المحلي للنقاش، إلا أن سلطة تعيين الوزير وإقالته من منصبه  تكون باقية في يد رئيس ولاية غلمدغ.

وتنص البنود الموقعة مؤخرا بأنه لايمكن ضم مشتبه بانتمائه إلى كل من الجماعات المتطرفة وقراصنة البحرفي قائمة حكومة غلمدغ التي يتم تشكيلها بعد توقيع هذه الاتفاقية.

هذا ولايوجد بين طرفي التفاهم لحد الآن تعريف مجمع عليه بتصنيف من يكون إرهابيا من عدمه ومن يكون من قراصنة البحر التي يتلاشى وجودها في الصومال يوما بعد يوم.

ختاما ،،

على الرغم من أن هذ التفاهم بين خصمي أمس لاقى ترحيبا كبيرا لدى غالبية سكان محافظتي جلجدود ومدغ المتضررين بأزمة الجفاف الخانقة التي ضربت في الموسم الماضي بمعظم المحافظات الصومالية، إلا أن المحللين السياسين ينظرون هذا التفافهم السياسي بين الجانبين من زوايا أخرى ويخافون من أن يفتح جبهة أخرى من الخلاف بين سكان غلمدغ، وذلك عند نقل العاصمة إلى مدينة طوسمريب حاضرة محافظة جلجدود التي عينها الرئيس السابق حسن شيخ محمود بأن تكون عاصمة حكومة غلمدغ المحلية.

علما بأن هذه المناطق كانت تضم بين دفتيها سابقا ثلاث إدارات عشائرية متباعدة سياسيا كانت واحدة منها تتمركز في جنوب مدينة جالكعيو حاضرة محافظة مدغ بزعامة الجنرال عبد حسن عوالى قيبديد عضو مجلس الشيوخ حاليا، بيما كانت الثانية تتمركز في مدينة عدادو المقر المؤقت حاليا لولاية غلمدغ، في حين كانت الثالثة في مدينة طوسمريب تحت إمرة تنظيم أهل السنة والجماعة الذي خاض في المنطقة حربا شرسا ضد حركة الشباب المرتبطة بتنظيم القاعدة.

لذلك يدعو المحللون كافة الجهات المعنية بسياسة الأقاليم الوسطى إلى نبذ الخلاف والآنانية وكل ما من شأنه أن يعيد الخلاف السابق الذي عاشت المنطقة من أجله الفقر المدقع والتخلف في كافة الأصعدة، طالبين منهم التحلي بالصبر والمسؤولية الملقاة على عاتقهم نظرا للشعب الأبي الذي يعاني بعد من ظروف العيش الضنك الذي ورثه من الحروب والقحط، والمحروم منذ عشرات السنين من إيجاد الخدمات الصحية والانسانية اللازمة بسبب الحروب المدمرة التي شهدته الأقاليم الوسطى والتي أعاقت من المنطقة سير النشاط التعليمي والتجاري والصحي.

 

بقلم/ محمد محمود (رمضان)