التغيير في العالم العربي

بسم الله الرحمن الرحيم

مفهوم التغيير

التغيير يقال على وجهين:

أحدهما: لتغيير صورة الشيء دون ذاته. يقال: غيرت داري : إذا بنيتها بناء غير الذي كان.

والثاني: لتبديله بغيره. نحو: غيرت دابتي: إذا أبدلتها بغيرها. نحو قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾[1]

التغيير المنشود في عالمنا العربي هو التغيير على وجهيه المذكورين أعلاه؛ فمن وجه الأول نحتاج إلى تغيير صورنا دون ذواتنا على مستويات: – على المستوي المحلي: كل عربي في بلده ووطنه في العلاقة بين أبناء البلد الواحد.

-على مستوى العالم العربي: في العلاقة بين أبناء العالم العربي الواحد.

-على مستوى العالم الإسلامي: في علاقة العرب بالعالم الإسلامي.

-على مستوى العالم الإنساني: في علاقة العرب بالعالم الإنساني.

ومن وجه الثاني نحتاج إلى تغيير جذري لما في دواخلنا وأنفسنا من التفكير السلبي واللامبالاة وكل ما من شأنه إعاقتنا عن المضي قدما في طريق الإصلاحات المطلوبة وإعادة ترتيب البيت العربي الذي طالما هبت عليه رياح عاتية وعواصف مروعة وزوابع مفجعة.

وكلما تضافرت الجهود الفردية والمؤسسية في تحقيق التغيير المنشود على وجهيه ، كانت النتائج مثمرة ومفرحة.

وبدلا من أن يفرض علينا التغيير من الخارج فرضا فليكن من الداخل ومبنيا على قناعات ليؤتي ثماره كل حين بإذن ربه.

الشباب …  العمود الفقري للتغيير

الشباب هم قوة الأمة العربية ، رجال يومها ، وقادة غدها ، ورادة نهضتها ، وساسة بلادها، فهم المعنيون بالدرجة الأولى بهذا التغيير المنشود إيجادا وتأثيرا، فدور الشباب كبير للغاية إذا عاش لهدف وحمل رسالة لأمته وللبشرية جمعاء، ووسع نظرته ، ولم يتقوقع في نفسه؛ وذلك من خلال تبني رؤى يسعى إلى تحقيقها، فغياب الرؤى في حياة الشاب تجعله يتخبط خبط عشواء لا يدري أين يريد؟!

وماذا يريد ؟! ولماذا يريد؟! ، فالرؤى هي التي تضبط مساره ،وتجذبه نحوها،  وربما رأينا شبابا لديهم رؤى فلا يتقدمون معها ولا يحركون بها ساكنا؛ وذلك أحد سببين:

السبب الأول: أن رؤاهم  وهمية لا تحمل خصائص جذب الآخر فلاينتفعون بها.

السبب الثاني: أن الرؤى حقيقية ، وتحمل خصائص جذب الآخر ، ولكن الشباب لا ينجذبون نحوها ؛ لأن هممهم خشبية أو ورقية ؛ ذلك أن الرؤى مغناطيس فلاتجذب نحوها إلا أصحاب الهمم الحديدية؛ ولذلك نقول: من تبنى رؤى فليكن حديدا ، لتجذبه الرؤى  نحوها.

فعلى هذا ينبغي تضافر الجهود أفرادا ومؤسسات ودولا في رعاية الشباب وعنايتهم أشد عناية ليكونوا عامل بناء لأسرهم ومجتمعاتهم وأمتهم لا معول هدم؛ وذلك من خلال:

تنمية المواهب الشبابية وتبنيها بدلا من طمسها

أغلب العرب- وخاصة الشباب –  تفوقوا في الغرب ؛ لأن المواهب مقدرة هناك،  لا مهدرة كما هو الحال هنا في عالمنا العربي مع الأسف الشديد.فالغرب أدرك قيمة المواهب ودورها في الريادية والتنمية ، أتاحوا الفرص للأجيال الناشئة ، فترى الواحد منهم أبدع واخترع في عنفوان شبابه ، تسود عندهم ثقافة الإنتاج ونفع البشرية ، وهاهي منتجاتهم – في مختلف المجالات – تغزو أسواقنا وبلادنا، فحققوا بذلك أرباحا مادية ، ونفعا للبشرية، وتلك مفخرة لهم،  ورقم قياسي في سجل تاريخ البشرية، وترجمة حقيقية للتنمية البشرية المنشودة، وتفعيل واضح لدور الشباب ليكون عضوا نافعا في مجتمعه ؛ على عكس ما عندنا من التميع والذوبان والانهزامية والفوضى في كل ناحية ، فيعيش شبابنا في تيه وحيرة،لا يرى بصيص أمل ، ولا يعرف دوره في تنمية نفسه،  وأسرته،  ومجتمعه، وبلده، وأمته ؛ في غياب واضح لتوجيه سليم وعناية ملائمة واهتمام مناسب للجيل التائه.وكل ذلك نتاج سياسة طمس المواهب، ونشر ثقافة الاستهلاك والاعتمادية والاتكالية.

فإذا كان دور الكائنات الحية في الطبيعة مابين منتج ، كالنباتات ، ومستهلك بدرجات: درجة أولى وثانية وثالثة ، كالحيوانات والإنسان، ومحلل يتغذى على جسم الميت ويفككه ، كالبكتيريا، فإن دور الدول في العالم اليوم هو أن الدول الغربية منتجة ، ومحللة في نفس الوقت تتغذى على جسم الدول المتهاوية والساقطة والآيلة للسقوط ، بينما الدول العربية وبقية دول العالم الثالث مستهلكة ، في حين الدول  الخليجية  مستهلكة درجة أولى بحكم الثراء السائد عندهم ، فتتباهى دول باستيراد أحدث التقنيات ، وأخرى بإنتاجها ، واهتمت بعض الدول ببناء الجدران ، وأخرى ببناء الإنسان،  فلنقارن بين تلك الدول لنرى الفرق.

 

غرس المسؤولية المجتمعية في نفوس الناشئة والجيل

المسؤولية المجتمعية واجب وطني وضرورة شرعية ، مراعاة للحقوق والواجبات بين أبناء البلد الواحد والأمة الواحدة ، فالمواطن لا بد وأن يستشعر أنه مسؤول مجتمعي تجاه مجتمعه ، فلا يتصرف بغوغائية ، ولا بما يضر مصلحة المجتمع ، وأنه بهذا الاستشعار لا ينتظر تعيين رسمي لهذه المهمة ، وهو الذي عيّن نفسه ليبرّئ ذمته أمام الله عز وجل، ثم أمام مجتمعه، وأمته.

غرس المسؤولية المجتمعية مسؤولية مشتركة بين البيئة ، والمؤسسات التربوية والتعليمية ، ومؤسسات المجتمع المدني ، والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة.

إيجاد حلول للبطالة

البطالة مشكلة العصر ، وأغلبها مصطنعة يعانيها شبابنا – معقد آمال الأمة –  وهي تتمثل بعدم توفر فرص عمل للأيدي العاملة البانية، وتمارس الدول المستبدة سياسة التجويع المتعمد ، لتجويع الناس من خيرات بلادهم ، وهو ما أثار الشرارة الأولى للهيب الثورات العربية التي تتجرع الأمة العربية إلى الآن سلبياته وآثاره ، وتلك السياسة أسلوب إستفزازي تستفز به بعض الدول شعوبها لسوء إداراتها ، وفشوّ الفساد بكل صوره في أركانها ، وعدم وعيها للمخاطر المحيطة بها، وعدم وجود رؤى واستراتيجيات لاستشراف مستقبلها.

فالأمم المرفهة لا تثور ، فإن ثارت فعلى حدود ضيقة ، سرعان ما تهدأ ؛ فأفقر دولتين خليجيتين بالمعيار الخليجي هما البحرين و سلطنة عمان ، فهما الوحيدتان الثائرتان ، فطفأ لهيبها  بفضل الدعم السخي من شقيقاتهما الخليجية . أما الأمم البائسة هي التي ثارت فعلا ولا زالت ، وقد تهدأ حينا بسبب ممارسات سياسات تكميم الأفواه ، وسياسات التهديد والتخويف من المخابرات والأجهزة الأمنية بمن فيهم شرطة مكافحة الشعب ، وليس الشغب .

فخطاب بعضهم:  “الآن فهمتكم ” ينم عن غياب استراتيجيات ورؤى لتفادي وقوع كوارث كالتي حصلت.

ومن أسباب البطالة المصطنعة: ثقافة العيب ، والنظرة الدونية لبعض الوظائف ، وتفضيل العمالة الوافدة على عمالة البلد ، واحتقار الموظفين من قبل بعض أصحاب العمل ؛ وتأخير الرواتب أكثر من اللازم في بعض الدول العربية حيث الراتب أسبوعي أمريكيا ، وأربعيني عربيا، أي تسليم الراتب بعد شهر وعشرة أيام في بعض الدول العربية ، مما حدا ببعض الناس إلى اعتبار الوظائف بأنها عبودية القرن؛ ما يؤدي إلى النفور من بعض الوظائف، وزيادة نسبة البطالة في تلك البلاد ، وهي مشكلة حرجة تثقل كاهل الدول ، وتستوجب إيجاد حلول جذرية لها بدراسة أسبابها الحقيقية ، وذلك بفتح قنوات تواصل بين القطاعات العامة والخاصة ، وزيادة الاستثمارات المحلية والإقليمية والأجنبية، وتنشيط التجارة والسياحة البينية بين دول الأمة الواحدة، وإيجاد آليات لجذب الشباب نحو السوق ، وإعادة ثقتهم بمؤسساتهم المختلفة ليعود النفع بالجميع.

 

إيقاف تيار هجرة العقول

ولما لم تستغل طاقات شبابنا الموهوبين ، بدأت الهجرات المتعاقبة لأجيالنا الناشئة ، لتكمل مسيراتها خارج بلادها ، وتثمر بعيدا عن أوطانها، وتلك نتاج سياسات الإبعاد والاستبداد التي مارستها ولازالت تمارسها دول عربية ؛ لعدم وعيها لمغبة هجرة العقول المنيرة.

ومن أسباب تلك الهجرات أيضا: الأنانية، والواسطة، والعنصرية التي تنتهجها بعض المؤسسات بتقريب الأدعياء ممن توفرت لديهم فيتامين “و”(الواسطة)  على حساب الأكفياء من أصحاب العقول المنيرة، غافلين أو متغافلين عن العدالة، والمسؤولية المجتمعية تجاه مجتمعاتهم.

ولا غرو في ذلك إذ الناس على دين ملوكهم ، فما دام الساسة يمارسون سياسات الإبعاد ، فبقية المؤسسات في الدول تحذوا حذوها، ولا نعفي المجتمع المدني من المسؤولية ، فهو أيضا شريك في هذه المآسي ، وعلى هذا يقال: “كيفما تكونوا يولّ عليكم” ، وبناء على هذا وذاك فإنه يتطلب إيجاد توازن في هذه المعادلة:

الناس على دين ملوكهم       =     كيفما تكونوا يولّ عليكم

وذلك بإلقاء اللوم على الطرفين، واستشعار الطرفين المسؤولية الملقاة على عواتقهما لينهضا بالأمة إلى التغيير المنشود.

 

إحياء اللغة العربية،لغة الاحتفاظ على الهوية

اهتمام الأمة العربية بلغتها يدل على وعيها، فلغتها وعاؤها الذي يحتوي حضارتها ، وتراثها، وأمجادها، فكلما اهتمت بلغتها كانت أقرب إلى النهضة،  والاعتزاز ، والفخر، فالأتراك أولوا لغتهم اهتماما خاصا لم تول العرب مثله لغتها، والأشد والأنكى أن التعريب لبرامج التقنيات الحديثة ليس للعرب منها أكبر نصيب ، فأكثر دولتين في التعريب هما تركيا وإسرائيل ، وهما ليستا من الدول العربية، فاعتزازنا بلغات غيرنا أكبر من اعتزازنا بلغتنا، واكتفى العرب بلهجاتهم العامية تحررا من قيود اللغة الفصحى، مع أن لغة الضاد الفصحى أجمل جميلات اللغات ، وأصبحت مع الأسف كامرأة حسناء عند عنّين. وكما قال الشاعر في حق اللغة العربية:

ولدت ولما لم أجد لعرائسي            رجالا وأكفاء وأدت بناتي

وسعت كتاب الله لفظا وغاية        وماضقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة      وتنسيق أسماء لمخترعات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن      فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

دور العرب في حل القضايا العربية

مع الأسف، اقتصر دور الدول العربية في حل قضاياها إغاثيا، فهي مؤسسات إغاثية فقط لا غير ، وما نراه من المؤتمرات والقمم تعقد هنا وهناك ماهي أغلبها إن لم تكن كلها إلا جلسات عقيمة ، واستراحات قصيرة للقادة من عناء السياسة ، فعلاقات العرب مع غيرهم من الحلفاء أقوى من علاقاتهم مع بعضهم ، حيث لا تجمعهم إلا قاعات المؤتمرات كما قال أحدهم، وتلك نقطة ضعف ولّدت إحباطا ويأسا لدى شعوبهم.

وتبدوا خطوات الدول العربية واضحة وملموسة في مجال الإغاثة ، وهي بدورها غير ممنهجة وغير مدروسة، فينهب أغلبها ، ولا يصل إلى مستحقيها ، وهو خلل مكرر ليس له علاج بزعمهم.

فتزعم الدول العربية أنها ساندت الصومال منذ بداية الفوضى 1991م وحتى اليوم ، ولكن تلك المساندة لم تكن مدروسة في أغلبها فانعكست سلبا على واقع الصومال.

فجاء دور تركيا 2011م فساندت الصومال خلال نصف عقد من الزمن فقط ، فآثارها واضحة جلية كالشمس في ضحاها؛ فليست العبرة في كثرة الدول المساندة ، أو طول مدة المساندة.

فالعرب ساندوا الصومال خلال عقدين ونصف من الزمن، وليست دولة واحدة بل دول، بينما تركيا ساندت الصومال خلال نصف عقد فقط ، وهي دولة واحدة ، والفرق هو وجود استراتيجيات ورؤى واضحة ومدروسة.

قرابة مدة المساندة الدول   /الدولة
ربع قرن 1991  —   2017 الدول العربية
نصف عقد 2011  —  2017 تركيا

 

الاستفادة من خبرات الآخرين وإعادة النظر في إدارات الدول واستراتيجيتها

 

–  فموقف الاتحاد الإفريقي بمن فيهم الدول الإفريقية العربية كان إرسال جيش عرمرم قوامه آلاف إلى الصومال ؛ لتحرير الصومال ممن ؟!  من أبنائه ؟!!! ، فجاءت تركيا بخطط مدروسة ، ولم تأت بجيش كما فعل القادة الأفارقة ، فكسرت تركيا ظهر حركة الشباب المجاهدين في الصومال بخططها المدروسة ، وذلك من دون أن يطلق جندي تركي طلقة نارية واحدة في الأراضي الصومالية، في حين أسود إفريقيا لا زالوا في عرينهم يستلمون رواتبهم العالية شهريا على حساب وجودهم في عقر دارنا ، ليحققوا بذلك المقولة القائلة:

“مصائب قوم عند قوم فوائد”.

– إسرائيل لم تفتح على نفسها أكثر من جبهة قتالية في آن واحد، رغم قوتها الاقتصادية ، والعسكرية، ومساندة الغرب لها ، ووقوفهم إلى جانبها. وتلك نقطة قوة للأمة الإسرائيلية، واستراتيجية كبيرة تقوي شوكتهم ، وتضعف خصومهم ، وهي أمة تستحق الدراسة للاستفادة من خبراتهم وحنكتهم بما لا يتعارض وثوابتنا.

بينما اليمن العربية رغم ما تعانيها من ضعف اقتصادي ، وتخلي بعض شقيقاتها عنها إضافة إلى كون المجتمع قبلي مفتوح عليها جبهات عدة : قضية الجنوب ، الحوثيون ،القبائل، وأنصار الشريعة، وذلك لغياب الاستراتيجية ، وفشوّ الفساد الإداري والمالي.

– وفي مقارنة أخرى عجيبة بين استراتيجيتين:

فإسرائيل لها أهدافها العليا بزعمها ، فتحقق أهدافها دون مبالاة لحلفائها وأعدائها، فلا تعير لكلام أعدائها أو أصدقائها أي وزن ، ولا يحرك فيها ساكنا، فلا تسحب بكلامهم ولا بمواقفهم سفاراتها عندهم ، ولا تطرد سفراءهم عندها ، لأن استراتيجيتها أكبر من ذلك.

بينما كانت علاقة الأردن بقطر متوترة لفترة ؛ بسبب إعطاء قطر صوتها وصوت من كانت تمثلهم  لبان كي مون على حساب الأمير الأردني في انتخاب الأمين العام للأمم المتحدة ، ومحاسبة الأردن لقطر على صوتها خلل استراتيجي ودبلوماسي أدى إلى سحب السفراء وتوتير العلاقات بين البلدين.

وإن تعجب فعجب هذا التناقض والازدواجية في المواقف حيث لما تضرب إسرائيل غزة ، وتبقى السفارة الإسرائيلية في عمان مفتوحة مسالة فيها نظر ، وإعطاء قطر صوتها لمن تريد جريمة لا تغتفر!.

 

التعددية  …  وقبول الآخر

 

العنصرية اللونية ، والمذهبية ، والطائفية ، والقبلية أنهكت العالم العربي ؛ لأنه أسيء استخدامه ، واستخدام بعضهم ضد بعض ، وهي نقطة ضعف للمجتمعات العربية ، بينما الدول الغربية فيها من التعددية ما يكفي ، ولا نشك ما عندهم من العنصرية المقيتة التي يحيطونها غالبا بهالة من الشعارات البراقة لخداع الآخرين، ومع ذلك نجحوا كثيرا كثيرا في تلميع صورتهم.  فأمريكا رغم غطرستها ، أوباما الأسود رئيسها ، ونحن في عالمنا العربي نعيش في العصر اللوني مع الأسف ، وذلك للجهل العريض الذي نعيشه.

والله عز وجل يقول : ﴿ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالِمين ﴾[2]

للعالِمين جمع عالِم بكسر اللام وهو ضد الجاهل ، فالذي يعرف أن اللون آية من آيات الله فهو العالم ، ومن تعنصر باللون فذاك جاهل -بنصّ القرآن –  وإن أخذ أعلى الشهادات ، فهو لا يعرف حقيقة نفسه ولا حقيقة الكون الذي هو فيه.

 

إجراء إصلاحات شاملة:

فشوّ الفساد بكل صوره في أركان الدول العربية عطّل حركتها، وأخّرها كثيرا عن مسارها الصحيح ، وجعلها في تبعية مقيتة ، وأصبحت مضرب المثل في التخلف الإداري ، ولا سبيل إلى التغيير المنشود إلا بإجراء إصلاحات شاملةتعيد الأمور إلى مجراها الطبيعي، فلا مجال للمماطلة في إجراء تلك الإصلاحات ؛ فهي الدواء لتلك الأمراض المستعصية التي أنهكت جسد الأمة العربية.

فالإصلاحات تشمل مجالات عدة : الاقتصادية ، السياسية ، الإدارية ، الأمنية، وغيرها من المجالات.

ففي مجال الإصلاح الاقتصادي يجب محاربة كل أشكال الجرائم الاقتصادية من مثل الرشوة والاحتيال، كما يجب تبني رؤى واستراتيجيات بما يتناسب وثروات الأمة العربية، المنهوبة حينا والمهدرة أحيانا كثيرة.

فبلادنا العربية بلاد الخيرات والثروات ، ففي أراضينا تمتد المساحات الشاسعة الصالحة للزراعة ، وفي ربوعنا ثروات الموارد الطبيعية ، لا تنقصنا الثروات البشرية ولا الطبيعية، ولكن ينقصنا رجال مخلصون لأوطانهم وأمتهم ، وما نراه من سوء توزيع للثروات في أراضينا إنما سببه الإستعمار المقيت ، وما كان بعده من الاستبداد، بما فيه من أساليب التجويع ، تجويع الأمة من خيراتها وثرواتها لتكون مستعبدة لا حرّة ، وإلا فأمتنا العربية أمة غنية بخيراتها ، وثرواتها ، وحضارتها ، وثقافتها ، وأخلاقها.

ففي مجال الإصلاح السياسي والإداري يجب تعيين الأكفياء – لا الأدعياء-  ، بما يتناسب والمهام المنوطة بهم، واستشعار عظم المسؤولية الملقاة على عواتقهم ،وتوسيع قاعدة المشاركة الشبابية في الحياة السياسية  وعدم تهميشهم، لينهضوا بالأمة إلى القمم بدل الرمم ، وإعادة هيبتها دوليا وعالميا ، وتفعيل أجهزة الرقابة، والمحاسبة ، والمكاشفة ، ومكافحة الفساد.

ففي مجال الإصلاح الأمني فالأمة العربية مفتقرة إلى الأمن بكل أشكاله ، فلا أمن لها في جميع ضروب الحياة ، ومتخوفة من مستقبلها ، فأصاب أغلب أبنائها اليأس والإحباط من يوم مظلم ، وغد أظلم ، ومستقبل أشد ظلاما بزعمهم بحكم ما يرونه ويشاهدونه ويسمعونه . فلا بصيص أمل عندهم لمستقبل مشرق.

والأمة العربية بحاجة ماسة لتحقيق الأمن العام ، والأمن السياسي ، والأمن الاجتماعي ، والأمن الاقتصادي ، والأمن المائي ، والأمن الفكري ، والأمن اللغوي ، والأمن النفسي ،  وسائر فروع الأمن.

الأمن الفكري:

فما نراه من سلوكيات مقيتة لأبناء الأمة العربية فسببها خلل في التفكير ، فالتفكير أساس السلوك ، فكل سلوك يسبقه تفكير ، وكل تفكير ينتهي إلى سلوك، والسلوك ليس إلا ترجمة للتفكير ، فإذا كان السلوك حسنا فإن التفكير أحسن ، وإذا كان السلوك سيئا فإن التفكير أسوأ ، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يتحتم علينا حماية تفكيرنا وأفكارنا ، وتحقيق أمننا الفكري؛ لينعكس ذلك إيجابا على سلوكياتنا وتصرفاتنا.

ولا بد من مساعدة الجيل والناشئة على تحقيق أمنهم الفكري ، وإبعادهم عن كل ما من شأنه تخديش تفكيرهم ، وتلك مسؤولية مشتركة بين البيت ، والبيئة ، والمؤسسات التعليمية والتربوية من مدارس ، ومعاهد ، وجامعات ، وكليات ، ودُور التوجيه ووسائل الإعلام.

فالإعلام هو القائد الفعلي للأمة العربية ، والموجه الحقيقي للجيل الحيران ، فتأثر أبناء الأمة العربية بإعلامهم أكبر من تأثرهم بقادتهم ، ولذا يجب على الإعلام والقائمين عليه إعادة النظر في برامجهم وتوجيههم بما يحقق مصالح الأمة الواحدة ، وتوعية الجيل بما يرفع مستواهم العقلي والعلمي ، وبما يخدم أوطانهم وأمتهم.

 

 

والله من وراء القصد

عثمان علي عبدالله حمزة

أفجوي – الصومال

1438 هـ  – 2017 م

[1]  سورة الرعد آية رقم 11

[2]سورة الروم آية رقم 22