اشتباكات عدادو المسلحة والتجربة العقيمة

تمهيد:

مدينة عدادو هي إحدى مديريات محافظة جلجدود الصومالية و العاصمة المؤقتة لولاية غلمدغ الجديدة و مركزها التجاري , كانت سابقا مقر إدارة (حمن و حيب) التي خلّفتها ولاية جلمدغ الفيدرالية , و رغم أنها من المديريات التي أسست في عهد النظام الديكتاتوري السابق إلا أنها اكتسبت شهرتها منذ بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

وكانت من المدن القلائل التي  توصف بأنها مستقرة أمنية بالنسبة للمدن الجنوبية والوسطى من الجمهورية الصومالية إلا أنها احتضنت عددا من الاشتبكات بين جهات حكومية وبين غيرها من الجهات الأخرى منذ العامين الماضيين.

عدادو في عصر الولاية الجديدة:

لم تتمكن ولاية غلمدغ من تكوين علاقات وُدّية مع جارتها الشمالية بونتلاند , و التي عارضت بشدة  تعيين  الجزء التي تسيطره من مدينة جالعكيو ومحافظة مدغ كجزء من ولاية غلمدغ في دستورها.

كذلك يرى المسئولون البونتلانديون أن تأسيس غلمدغ كولاية فيدرالية مخالف للدستور الصومالي الفيدرالي الذي ينص على أن تتكون الولاية الفيدرالية من إقليمين أو أكثر من الأقاليم الصومالية الثمانية عشر المعروفة, ولذلك لا تعترفها بشكل رسمي.

ومع أن عدم اعتراف بونتلاند بها رسميا أو اعتبارها نظاما معاديا , لا يؤثر بشكل مباشر على أمنها, إلا أنه ينشئ جوّا من التوتر السياسي الذي يؤدي في النهاية إلى توتر أمني.

أما تنظيم ” أهل السنة و الجماعة ” فيراها ولاية تأسست على ظلمه و اغتصاب حقه في المناطق و الأقاليم الوسطى بعد طرده حركة الشباب المستعصية على غيره منها, بالإضافة إلى أنه يعتبرها مركز نفوذ لرئيس الجمهورية السيد حسن شيخ لضمان الحصول على الكثير من أصوات أعضاء النواب في البرلمان الفيدرالي الذي يتم انتخابهم هناك.

و قد شُوهد الكثير مما يؤيد فكرة التنظيم, فقد حدث في عدادو انتخاب أكبرعدد من أنصار الرئيس و مؤيديه أعضاءا من البرلمان الفيدرالي, لكن حدثت المفاجئة بأن قامت أغلبية برلمان الولاية بعزل صديق الرئيس ورئيس غلمدغ, ورفض المفاوضات مع أعضاء البرلمان الفيدرالي المنحدرين من مناطق غلمدغ.

سياسة جوليد الضعيفة:

لم يسلم رئيس ولاية غلمدغ المعزول السيد عبد الكريم حسين جوليد من انتقادات شديدة وصلت إلى حد وصفه بالتبعية المطلقة لصديقة الرئيس حسن شيخ محمود, بالإضافة إلى قائمة محاولاته الفاشلة لتحريك عجلة تطور الولاية نحو الأمام, أدى كل ذلك إلى أول محاولة قام بها برلمان ولاية فيدرالية  في عزل رئيس ولايته.

ولا أتحدث عن شرعية أو عدم شرعية تلك الخطوة التي قام بها البرلمان الغلمدغي, إلا أنّ تحرك قوات أمنية نحو مقر اجتماعات معظم نواب غلمدغ و حدوث اشتباكات بينها و بين قوات الشرطة المكلّفة بحراسة المقرّ يُحدث فضولا كافيا للبحث عن أسباب تلك النزاعات المسلحة و جذورها.

لا تزال معظم التهديدات الأمنية التي حدثت في عدادو مجهولة سوى البعض التي تبنتها حركة الشباب, لكن أصابع الإتهام تشير إلى جماعة معينة تحرص على إشلال تحركات معارضي سياسة جوليد و تحصل على دعم من القصر الرئاسي بمقديشو.

و يُعتبر رفض جوليد لقرار البرلمان و وصفه بالغير شرعي تصريحا غير كافي, حيث لم يُشِرْ إلى أية عيوب قانونية في القرار, و اكتفت إدارة مكتبه بإصدار مرسوم عنه يعلن فيه عن حالة طوارئ تمتد إلى 90 يوما.

ولا عجب في السياق السياسي الصومالي أن يرفض مسئول ما عزله من منصبه كما حدث في عدادو قبل أيام, فقد عزل الرئيس المعزول وزير داخلية الولاية , ورفض الأخير باعتراف عزله.

خاتمة:

النزاعات المسلحة بين جهات حكومية جديدة في الصومال هي موروث الثقافة القبلية المستعلية على غيرها من الحروب الأهلية, والتي أُسِّسَ عليها معظم الولايات الفيدرالية, فتحلّلت إلى فصائل متنازعة من القبيلة الواحدة و إن كانت مغطّاة بغطاء سياسي.

ويُعتبرانتخاب جوليد رئيسا لولاية غلمدغ كانت نتيجة شبه مؤكدة بسبب العلاقة المستمرة بينه و بين الرئيس حسن شيخ, لأن الوزارة الداخلية التي أسست ولايتي غلمدغ و هرشبيلى و أشرفت على تأسيس جوبا لاند و جنوب غرب الصومال أثبتت بفعلتها أن تدخلها المباشر و هيمنتها أدت إلى شقّ النسيج الإجتماعي بين سكان تلك المناطق بعد ما فرضت عليها رؤساءا هم أقرب إلى التعيين منه إلى الإنتخاب كما يقوله المثل الصومالي ” انتخبوا المنتخب ” …!

ولهذا كان لا بدّ من أن تقوم مجموعة كبيرة من برلمان الولاية بترجيح كفّة الشعب على كفة الولاية و عزل رئيس الولاية , بينما قامت مجموعة أخرى من القوات الأمنية بمحاولة منع تلك التغييرات و إعادة الأمور إلى نصابها, ويبقى التساؤل سيد الموقف إذا يقول: ” إذا كان البرلمان الذي انتخب الرئيس لا يملك حق عزله, فمن يملك ذلك غيره ؟! “.

و قد أصبحت عدادو غلمدغ اليوم رهينة استباكات مسلحة تحدث بين الحين و الآخر في الداخل , و تهديدات أمنية ثلاثية محيطة بها من الخارج , وهذا بسبب سياسة غوليد الذي اعتزل سابقا من منصب وزير الداخلية الفيدرالي بعد أن فشل في تحقيق المهام المنوطة به

 

 

بقلم: عبد الله عبد الرحمن أحمد

كاتب صحفي